مر على تحرير ليبيا من المردوم معمر القذافي

الجمعة، أغسطس 10، 2012

في ذكرى رحيله الثاني والأربعين.. بقلم/الأستاذ فاضل المسعودي


 مُداخلة الأستاذ/ فاضل المسعودى
في ذكرى رحيله الثاني والأربعين

في أول يناير ، سنة 1960 ، وبعد الصّلاة على جثمان جدّي ، الشيخ سعيد أحمد المسعودى، وفى حين كانت مراسم التشييع تأخذ سبيلها بالجثمان ، في إتجاه الصّعُود إلى مثواه الأخير، بمقبرة سيّدي مُنيدر، وجدتُ نفسي ، أمشي إلى جانب واحدٍ من كبار المشيّعين ، وهو السيد محمود المنتصر ، رئيس أول حكومة ليبية في دولة الاستقلال، وسفير ليبيا أذناك بسفارتها في روما.
صافحتُ الرجل في صمت ،  ولكنّه قطعه بقوله: عظمّ الله أجركم ، ثم أضاف: هل أنت أحدُ أبناء المرحوم الشيخ ؟
-     أجبته: بل أحدُ أحفاده   
 أنت إبنُ من  ، من أولاده ؟   -
-   ابنه الأكبر، القاضي ..  الشيخ أحمد ،  ثم أضفت : أنا فاضل المسعودى ، الذي كنت أدعوك في صيف 1953 من راديو( صوت العرب ) في القاهرة ، بعد توقيعكم على المعاهدة البريطانية ، ب « ( محمود المنكسر ) !


رمقني الرجل بنظرة فاحصة وباسمة ، وقال في هدوء : حَبّذا لو تشرّفت بمعرفتك أكثر، في مناسبة أخرى  .. ثم أضاف: تفضل بزيارتي في المنزل إذا كان ذلك في إمكانك .
 قلت له : بل سيكون لي، أنا الشرف، يا سيدي ، إذا أتيح لي ذلك .. وسأتصل بسيادتكم بعد انتهاء مراسم التعازي في جدّي ..
جدّي هذا ، الذي رَحل عن الدنيا ، كان قد تجاوز المائة ، وكان شيخًا للطريقة العيساويّة وصاحب زاويةٍ في منطقة طرابلس ، وهو أحدُ رجال القضاء في العهد العثماني ولكنه عند اندلاع الحرب الليبية - الإيطالية ، أصبح إمامًا " للطبجية أي شيخًا وواعظًا في الجيش التركي ومجاهدًا في الحرب وزميلاً وصديقاً للزّعيم سليمان باشا الباروني ، ثم مهاجراً معه إلى تركيا وبلاد الشام ، وأحدُ الذين حَكم عليهم الإيطاليون بالإعدام غيابياً ، وصادروا ممتلكاته ، ومنها مَنزله الذي بٍنت عليه بلدية طرابلس فيما بعد ، فندق وكازينو ( الودّان ) ..  وله أتباع ومُريدون وتلاميذ كُثر في ليبيا .. وهو عميد أسرة المسعودي في شط الهنشير وحفيدُ الوليّ الشهير ( سيدي الصيد) وجدّهُ مدفون هو الآخر، إلى جانب ضريح الصيد 
بعد انتهاء  مراسم التعازي في رحيل الشيخ  ، وجدتُ المناسبة متاحة ، للتوجّه للرجل الكبير الذي أسأتُ إليه يومًا من الأيام أيّما إساءة ، قبل أن أكتشف بأنني ظلمته ، يوم التقيت بأحد عارفيه من رجال ليبيا ، في القاهرة ، وقد تفضل الرجل عليّ بتوضيح الأمر وتفنيد كل ما أَلصقناه به من تهم عن " المعاهدة " التي وقّع عليها مع بريطانيا من أجل ليبيا ، ودولة الاستقلال التي كانت يومها في  " الإنعاش " ولم يكن أمامه إلا التوقيع !


كان هذا الرّجل هو النائب المحترم ، المعارض ، في أول برلمان ليبي ،  المرحوم  صالح مسعود بويصير، أحد أبرز المعارضين في مجلس النواب لتلك المعاهدة ، قبل أن يُتّهم في حادث مقتل ناظر الخاصة الملكية المرحوم إبراهيم الشلحي ويضطرّ إلى الفرار من ليبيا سنة 1954 ويحلّ بالقاهرة ، وقد كنتُ ، أنا وصديق العمر والطفولة ، المرحوم الصّحفي محمد عمر الطشاني ، صاحب جريدة ( الحرية ) فيما بعدُ  ،  كنا الوحيدين من شباب ليبيا في القاهرة ، اللذين أسرعنا إلى استقباله والترحيب به والتعرّف عليه والتعاطف معه في خلافه مع رئيس الحكومة يومذاك السيد مصطفى بن حليم ، الذي عُيّن بواسطة وتدخّلات المرحوم إبراهيم الشلحي ، رئيسًا للحكومة الليبية ، خلفًا للسيد محمود المنتصر الذي كان قد استقال بسبب تدخّلات الشلحي في السلطة وما تسبب فيه من إزعاج ومُضايقات له!
وكنا، المرحوم محمد عمرالطشاني وايضًا المرحومين : البهلول الدهماني وعلى أحمد بوزقية ، نُشكل ( حلقة مُترابطة ) منذ أن تواجدنا كطلبة في القاهرة ، تُشبه ( تنظيمًا ) تابعًا لحزب الكتلة الوطنية الحرة ، تحت إشراف ورعاية الأستاذ المناضل ، المرحوم  محمد توفيق المبروك سكرتير عام حزب الكتلة الوطنية الحرة ، الذي أُعتقل ثم أبعدته الإدارة البريطانية من ليبيا إلى تونس في نهاية " حملة القمع " التي شنّتها على ( حزب الكتلة الوطنية الحرة ) ، في أعقاب  الانتفاضة الشعبية الغاضبة  التي اندلعت بين يوميّ 15 و 17 فبراير سنة 1948، قبيل وُصول  " لجنة التحقيق الدولية الرباعية " إلى طرابلس ، ولكن المناضل محمد توفيق المبروك ، نجح في الانتقال من تونس سنة  1950 إلى القاهرة ، واختار أن يكون منفاه فيها . وقد رحّب به أنذاك ، أمين عام جامعة الدول العربية ، السيد عبد الرحمن عزام باشا ، َوخصّصت له الأمانة العامة للجامعة العربية ، مساعدةً مالية شهرّية قدرها عشرون جنيهًا مصريًا  لمساعدته فى الإنفاق على حياته المعيشية .
وكان معنا في المجموعة أيضا، الشاب الوطني المُتحمّس ، بشير السفاقسي الذى كان يعمل بشركة الطيران البريطانية B O A C التى لها مكاتب عدة ، أحدها بطرابلس والثاني فى القاهرة ، وشاب طرابلسي آخر من بسطاء شارع ميزران يُدعى " على السّيد " يعمل سائقًا خاصًا لدى واحدٍ من بشوات مصر يُقيم فى الصّعيد  ، وعدد آخر من زملائنا الطلبة الليّبيّين فى الأزهر ، من المتعاطفين مع " الكتلة والمهتمّين بالقضية الليبية والمُتابعين لأخبارها وما يجري في بلادهم من أحداث وتطورات بعد " قرار" الأمم المتحدة القاضي باستقلال ليبيا والصادر فى 21 نوفمبر 1949  والمُكلف بتنفيذه المندوب الأممي الهولندي ،  المستر " ادريان بلت " ،  الذي ينتاب الأوساط الوطنية المتشدّدة ، الكثير من المخاوف والهواجس تجاه مواقف هذا المندوب وعلاقاته بالادارات البريطانية والفرنسية التي كانت ما تزال تُسيّرالأوضاع فى ولاية طرابلس وولاية برقة والإدارة العسكرية الفرنسية التى تحتلّ ولاية فزان ونَواياها فى التآمُر على القرار الأممي ؟

وكانت مجموعتنا وهي المجمُوعة  " المنظمة الطلابية الوحيدة " التي تُمثل فى القاهرة ، واحداً من الأحزاب الليبية المتشدّدة فى الداخل ، والتى كانت الادارة البريطانية بولاية طرابلس تتعامل معها بصرامة وانتباه ، فى سبيل تحجيمها  أي " الكتلة " ، والحدّ من تأثيرها ونُفوذها وانتشارها والتّعتيم على نشاطاتها داخل ليبيا وخارجها ، منذ أحداث العنف التى انفجرت بين أنصارالكتلة والسلطة الانجليزية بولاية طرابلس ، ما بين 15 و17  فبراير 1948، والتي وَصفها مُراسل جريدة " المصري " الوفدية بمانشيت أحمر، على الصفحة الأولى يقول: مظاهرات دموية فى طرابلس!! والتي قرّرت بعدها ، الادارة البريطانية حلّ الحزب والقضاء على ميليشياته ومُلاحقة قادته ومحاكمتهم أمام محاكم عسكرية والزّج بالكثير من أنصاره فى السجن ، ووضع أبرز عناصره  تحت الاقامة الجبرية والعمل على حرمان الكتلة  من إرسال وفد يمثلها للمشاركة فى حضور مناقشات الأمم المتحدة عند عرض القضية سنة  1949!


 ومن أبطال شباب الكتلة الذين ما يزال بعضهم على قيد الحياة محمد الشاوش وميلود الزقلعي ومحمد فرنكه ومحمد شراطه والمناضل البارز ، عضو الهيئة التنفيذية للكتلة ، الأستاذ نور الدين بو شويرب والمرحومين: الأساتذة محمد العموري الككلي ومحامي الكتلة وخطيبها المُفوه الشيخ علي العقاب ورجل التربية والتعليم الأستاذ مصطفى المبروك.

****
ولكنّنا فى القاهرة ، كنا الى جانب ( اللجنة الطرابلسية ) التي يتزعمها الشيخ الطاهر الزاوي والمؤسسة منذ البدايات ، فى القاهرة ، والتي تتخذ نفس المواقف الوطنية في تلك المرحلة ،  كنا نُمثل " المصدر" المهم للأخبار وما يجري داخل ليبيا من وقائع ، بالنسبة للرأي العام المصري المحدود الاهتمام ، والأحزاب والصحف المصرية . وقد كنّا نرتبط بعلاقات واسعة وقوية مع معظم المنظمات والأحزاب المصرية  المهتمّة بالقضايا العربية وقضية ليبيا على وجه الخصوص.               
 وكان المستشار فى كل ما نقوم به من نشاطات هو الأستاذ محمد توفيق المبروك الذي كان يكتب بصورة منتظمة عن ليبيا فى بعض الصحف المصرية منها صحيفة ( منبرالشرق ) التي يصدرها الشيخ على الغاياتي الذي قرّض الزعيم المصري الكبير محمد فريد ، ديوانه الشعري الذي خصصه فى الهجوم على الاحتلال البريطاني ، فقدّم الانجليز محمد فريد بسبب تقريض الديوان للمحاكمة وأُدين !! 
وكان المبروك ، يحتفظ بعلاقات واسعة من الصداقة  مع بعض قادة الأحزاب المصرية والشخصيات الكبيرة ، من أمثال الدكتور محمد صلاح الدين وزير خارجية حزب الوفد الأسبق، والشيخ أحمد حسن الباقوري والأستاذ صالح بورقيّق وهما من أقطاب الاخوان المسلمين وأحمد حسين زعيم الحزب الاشتراكي المصري ورئيس تحرير جريدة ( مصر الفتاة ) وصالح حرب رئيس منظمة الشبان المسلمين وشخصيات من الشبان المسيحيين وأبوالخير نجيب صاحب جريدة ( الجمهورالمصري ) ذائعة الصيت ، وأصحاب جريدة ( المصري ) محمود وأحمد أبو الفتح.
 إلا أن الأستاذ محمد توفيق المبروك تمكّن فى بداية سنة 1952 وبعد تشكيل أول حكومة اتحادية ليبية برئاسة السيد محمود المنتصر ومباحثاته فى القاهرة  مع كل من السادة ابراهيم بن شعبان وعلى الجربي ، من العودة الى بلاده ، ولكننا نحن الشباب ، بقينا على ولائنا للكتلة الوطنية التي تناضل دون هوادة من أجل التصدّي لمؤامرات الانجليز، والحرص على تنفيذ " جوهر" القرار الأممي الخاص باستقلال ليبيا الكامل  وعدم الانحراف به عن المبادىء بالنسبة للوطن وإحباط محاولات الادارة البريطانية في طرابلس والفرنسية فى فزان والحيلولة دون تمكين عملائها وموظفيها السابقين من الاستيلاء على المناصب الحساسة والهامة فى السلطة الوطنية التي ستقوم عليها دولة الاستقلال وعدم تمكينهم من إفساد القرار وتشويه محتواه.
والواقع ، فقد كان " قرارالأمم المتحدة " الذي صدر فى الواحد والعشرين من نوفمبر سنة 1949 ، بعد مشوار مُضنٍ من نضال الشعب والأحزاب الوطنية فى برقة وطرابلس ، بدءاً من الحزب الوطني الذي أسسه الشاعرالأستاذ احمد الفقيه حسن ، ثم حزب الكتلة الوطنية الحرة الذي أسسها على الفقيه حسن ، فالجبهة الوطنية التي أسسها المرحوم سالم المنتصر ، فحزب الاستقلال فالأحزاب الصغيرة (العمال وحزب الأحرار والاتحاد المصري الطرابلسي ) ،  فجمعية عمر المختار فى برقة ، وجهود الأمير محمد ادريس الذي أصبح فى النهاية ملكاً على ليبيا .. والواقع ، أن هذا القرار قد جاء محققًا للمطالب الوطنية ومستجيبًا لطموحات هذه الأحزاب فى تحقيق وحدة البلاد بأقاليمها الثلاث: طرابلس وبرقة وفزان ، وأقّرّ باستقلالها الكامل ، وبحق شعبها فى اختيار شكل الحكم الذي يرتضيه ، إذ نصّ القرار: على أن تصبح ليبيا بأقاليمها الثلاث طرابلس وبرقة وفزان دولة مستقلة ذات سيادة ، فى موعدٍ لا يتجاوز أول يناير 1952 ، على أن يُوضع للدولة الجديدة فى أثناء ذلك " دستور " تقرّره جمعية وطنية ، تضم ممثلين عن الأقاليم الثلاثة المكوّنة للبلاد ، على أساس الإنتخاب الحرّ المُباشر، حسب النسبة العددية للسكان فى الولايات الثلاث . 
ونص القرار الأممي على تعيين ( مُفوضٍ خاص ) من طرف الأمم المتحدة للمساعدة على التنفيذ وصياغة الدستور وإنشاء حكومةٍ ليبيةٍ مستقلةٍ ، على أن يُساعده في ذلك ويُقدّم له النّصح والمشورة  ( مجلس دولي ) يتألف من عشرة أعضاء يمثلون كلاً من مصر وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وباكستان ، ومندوبين عن الأقاليم الليبية الثلاثة ، وممثلٍ عن الأقليات فى ليبيا.

وتشكل المجلسُ الاستشاري ، مجلس العشرة ، بالفعل ، وأقرّ هذا المجلسُ ( خطةً ) تَقدّم بها  المستر ادريان بلت ، لتنفيذ قرار الأمم المتحدة  ، وتضمنت الخطة ما يلي :
1تشكيل المجالس المحلية فى برقة وطرابلس وفزان « بالاختيار « !
2- اختيار اللجنة التحضيرية أو ما عُرفت " بلجنة الواحد والعشرين التى ستقوم باتخاذ  الترتيبات الضرورية لايجاد "جمعية وطنية تأسيسية " تتولى وضع دستور للبلاد .

إلا أن تشكيل " اللجنة التحضيرية " لجنة الواحد والعشرين ، التي تُمثل الأقاليم الثلاث بالتساوي ، أي سبعة ممثلين لكل اقليم ، والتى إنبثقت عنها  "الجمعية التأسيسية " جمعية الستين التي وَضعت الدستور الذي أعلن السيد إدريس بموجبه استقلال البلاد وقيام المملكة الليبية المتحدة  ..  قد تشكلتا على أساس الاختيار وليس الانتخاب الحر المباشر من طرف الشعب .. وكان " الإختيار" قد جرى بالطبع ، من طرف ادارات الاحتلال الانجليزي فى طرابلس والفرنسي في فزان ، اذ اختار السيد ادريس مُمثلي برقة  ، وعدد السكان فيها بالتقريب ( 250 ألف نسمة !)  واختار السيد احمد سيف النصر والي فزان المُعيّن من طرف الفرنسيين ، مُمثلي " الولاية " التي لا يتجاوز عدد سكانها الخمسين ألف نسمة !! اما ولاية طرابلس ، التي تُشكل الأغلبية ( أكثر من 750 ألف نسمة ) فقد قام المستر إدريان بلت ، باختيار ممثليها ، بالتشاور مع بعض الأحزاب المعتدلة والمتعاونة مع  إدارات الإحتلال ، وقد أثارت عملية الإختيار هذه كثيرًا من الشُبهات  والإعتراض والغضب والجدل!
 وبنفس الطريقة ، تشكلت جمعية الستين ، أي " الجمعية الوطنية " التى وَضعت الدستور ،  من عشرين عضوا بالتساوي لكل اقليم ! فاختار السيد ادريس مُمثلي ولاية برقة واختار السيد احمد سيف النصر ممثلي ولاية فزان ، في هذه المرة أيضاً ، وعَهد المستر بلت للشيخ محمد أبوالأسعاد العالم ، مُفتي طرابلس اختيار ممثلي ولاية طرابلس ، فحرص فضيلة المفتي على أختيارهم من مُوظفي الإدارة البريطانية السابقين ، ومن شخصيات تنتمي لحزب الاستقلال الذي يتزعمه السيد سالم المنتصر، ومن حزب المؤتمرالوطني الذي يضمّ الأحزاب الصغيرة والذي شكله السيد بشيرالسعداوي بعد مقدمه إلي ليبيا قبيل صُدور القرار الدولي بحوالي سنة واحدة ! بينما رفض حزب الكتلة الوطنية العريق والمتشدد ، المشاركة فى هذه " الهيئات " ، التى تكوّنت جميعُها على أساس الاختيار وليس الانتخاب الحر المباشر من طرف الشعب ، ورفضت أيضا الاشتراك فى الجمعية الوطنية المُكلفة بوضع الدستور والتي تتجاهل الانتخاب المباشر وعدم الأخذ فى الاعتبار النسبة العددية للسكان بين الولايات الثلاث ، وأصرّت الكتلة على عدم المشاركة فى الإنتخابات البرلمانية التى ستجرى على أساس هذا الدستور .
واتهمت الكتلة الوطنية كلاً من فرنسا والإنجليز ومفوّض الأمم المتحدة ، المستر إدريان  بلت بالتآمر على نص القرار الدولي وتحريفه وعدم الأمانة والغدر بمصير ليبيا.
****

وفى السابع عشر من ديسمبر من السنة ذاتها 1949، إنتقلت الجمعية التأسيسّية التي شكلها إدريان بلت على نفس الطريقة والأُسس التي رآها ، باتفاق إدارت الإحتلال السابقة وموافقة السيد ادريس .. إنتقلت بكامل أعضائها إلى بنغازي وقدّمت إلى السيد ادريس فى شكل " وثيقة بيعة "   قرارها باختياره " ملكا لليبيا " الموحّدة على أساس النظام " الفيدرالي " ، وقد حضر احتفال تقديم " البيعة " ممثلو الأحزاب الثلاثة : الاستقلال والمؤتمر وجمعية عمر المختار ، وقاطع  الحفل ممثلو حزب الكتلة الوطنية !! ، إلا أنّ زعيم حزب المؤتمر السيد بشير السعداوي الذي شارك فى تقديم البيعة ، قد إكتشف – على ما يبدو - ما وقع فيه من خطأ وهو " الموافقة " على الخطة التي نفّذ بها السيد إدريان بلت ، القرار الدولي وتشكيله للجمعية الوطنية على أساس الاختيار وليس الانتخاب ، وما انتهت إليه من نتائج ، فأعلن قبل مغادرته للعاصمة بنغازى والعودة إلى العاصمة طرابلس التصريح التالي : إن قضية إستقلال ليبيا بكاملها يجب أن يُعاد فيها النظر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة  ، كما يمكن  إتخاذ قرار جديد يتفق مع رغبات الشعب !

   وعاد زعيم المؤتمر، فى اليوم التالي إلى طرابلس بالفعل ، ولكنّه لم يبادر بالسّعي للعودة بقضية ليبيا - رغم كل ما حدث - إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ، لتتخذ قرارًا جديدًا بشأنها ، كما كان يهدّد ويبدو أن السيد بشير السعداوي قد فكّر فى الأمر مليًا وخشي أن يُؤدّي ذلك الى إعادة النظر فى قرار الموافقة الدولية شبه الجماعية التي حصل عليها في الأول، قراراستقلال ليبيا ووحدة أراضيها الكاملة بحكم أن الأوضاع الدولية قد أخذت يومها ، فى التغيّر والتعقد وخاصة بين تاريخ إتخاذ القرار وتاريخ تنفيذه .
كما أن زعيم الكتلة الوطنية المتشدّد ، السيد على الفقيه حسن ، الذي كان يتّهم المستر بلت بالتحريف فى تنفيذ نصوص قرارالأمم المتحدة ، ولا يقبل  باتخاذ مواقف الاعتدال  والتساهل مع إدارات الإحتلال التي حكمت ليبيا منذ تحريرها من ايطاليا حتى عرض قضيتها على الأمم المتحدة ، ولا يُقيم أيّ إعتبار لما لها من مصالح إستراتيجيّة على الأرض .. على الفقيه حسن ، أخذ بدوره فى التخليّ عن صلابة مواقفه التاريخية التقليدية وطموحاته التي بدأت فى نظر البعض من الساسة الليبيين أنها متطرّفة ومبالغ فيها وغير واقعية وغير مناسبة للواقع الدولي وواقع الشعب الليبي الذي ترى فيه بعض الدول أنه غير مُؤهّل أصلاً للإستقلال ؟
وأنتصرت فى النهاية " واقعية " السيد ادريس وحكمته  ونظرته المجرّبة لواقع الأمور وإدراكه لواقع شعبه الذي عاش وخاض معه تجارب الكفاح والصراع ضدّ الطليان والهجرة والحرب العالمية ومؤامرات المصالح الدولية المتكالبة ومعاناة التخلف والقصور الذاتي وانعدام الإمكانيات .. نجحت فكرة السيد ادريس النيّرة وهي الحرصُ فى تلك الظروف ، فقط ، على قيام  ( دولة ) بل أول دولة فى ليبيا ، يُرفرف  فى سمائها الواسعة والعالية ، وبحدودها الجغرافية المترامية الأطراف " علم " !

وكانت ليبيا قد خرجت من الاستعمار الايطالي وهي ( صندوق من الرمال ) حسب تعبير موسوليني ، أي بدون ، امكانيات تؤهلها لقيام دولة ! .. كانت – فى الواقع - أفقر بلد فى العالم ! ورغم ذلك ، فقد قام فيها " شعب  " يضم أشخاصًا وزعماء لهم طموحات كبيرة وخرافية ، وهي " الحلم " بتكوين دولة حرة وموحدة وكاملة السيادة !
****
ونجحت " الجمعية الوطنية التأسيسية " الليبية ، التي كونّها إدريان بلت ، رغم كل الاعتراضات والمثالب التى لابست نشأتها ، نجحت فى تكوين السلطة المحليّة ، وإعلان حكومة الإتحاد برئاسة السيد محمود المنتصر التي تكوّنت فقط بخمسة وزراء ، هم الرئيس محمود المنتصر (50  سنة ) وعلى الجربي وزيراً للخارجية وعمر فائق شنّيب وزيرًا للدفاع ومنصور بن قداره وزيرًا للمالية وابراهيم بن شعبان وزيرًا للمواصلات ومحمد بن عثمان الصيد وزيرًا للدولة ، وكانوا مجرد رجال عاديين ولكنهم ذوي كفاءة وحكمة وتكوين سياسيّ واستعداد فطريّ لتحمّل مسئوليات انشاء دولة " مستقلة " طموحة وعصرية  وذات سيادة !  
وقد نجحت هذه الجمعية أيضاً في وضع  " دُستورالدولة " الذي وصفه الخبير المصري الدولي الدكتور محمود عزمي عندما عُرضت عليه نسخة منه ، في اجتماع دوليّ خاص بليبيا في " جنيف " .. وصفه بأنه " فوق المستوى السياسي لأيّ قطر عربي " !
****
ثم انطلقت هذه الحكومة فى تنفيذ بقية المهام العاجلة بكفاءة ملفتة للنظر، رغم  الإمكانيات المالية القليلة والموارد القاصرة والعاجزة عن تغطية نفقات كوادر دولة الاستقلال ، بأقاليمها الثلاث ، التي كانت هي الأخرى في عجز مالي دائم ، وكانت الإداراتان البريطانية والفرنسية هما اللتان تغطيان ذلك العجز بصُعوبة وبحدود ضيقة ، قبل أن يتقرر استقلال ليبيا وقيام الدولة الجديدة .
ومع ذلك ، فقد نجحت الحكومة الاتحادية برجالها القلائل ، وبخبرة وصبر وذكاء السياسي الوطنيّ المحنّك  الذي لم يكن يستند على حزب سياسي  ولا على قبيلة ، الوجيه المخضرم محمود المنتصر، فى تنفيذ الدستور وفى إجراء أول إنتخابات عامّة ، نتج عنها أول برلمان بمجلسيه ، النواب  والشيوخ ، وبتوفير الإعتمادات الضرورية لميزانية الدولة الناشئة .

****
بعد تجاوز كل هذه العقبات  ، إتجه محمود المنتصر الى السكرتيرالعام  للأمم المتحدة   للحصول على " دعم مالي ثابتٍ " يضمُن إستمرارية الدولة الجديدة ، باعتبار أن المنظمة الدولية هي التي قررت إستقلال ليبيا وعليها وحدها تقعُ مسئولية الحفاظ على هذا الإستقلال ودعمه ، ولكنه للأسف فشل فى الحصول على هذا الدّعم ولم توافق دولة واحدة على ما سعى " المنتصر " للحصول عليه !
هنا ، قررت الحكومة أن تُبادر أولاً ، وعلى عجل ، بالتوقيع مع جميع المنظمات التابعة للأمم المتحدة وهي اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية والفاو ( الأغذية والزراعة ) واليونسيف (الطفولةوالعمل الدولية لتستفيد من مساعداتها فى دعم الاستقلال ،  ثم قرّرت الإتصال بحكومتي مصر والعراق للحصول منهما على مساعداتٍ أو قروضٍ مالية
وتقرّر أن يُوفدَ وزير الدفاع على الجربي إلى كل من مصر والعراق للتباحث مع المسئولين فى الدولتين العربيتين باعتبارهما الدولتين القادرتين فى ذلك الوقت على تقديم المساعدات  .
 وفي مذكرات السيد محمد عثمان الصيد الذي كان وزيرا فى حكومة المنتصر والتي نشرها بعنوان ( محطات من تاريخ ليبيا ) سنة 1996 ، كتب الصيد يقول:
« سافر على الجربي الى مصر فى أواخر سنة 1952 ، وكانت الثورة المصرية قد تولّت مقاليد الأمور، وفى القاهرة اجتمع الجربي مع محمود فوزي وزير الخارجية أنذاك ، وشرح له الأوضاع الليبية ، مبيّناً له أن الوضع الإقتصادي سيّء للغاية ، وأن ليبيا ليس لها جيش وأنها عاجزة حتى على دفع مُرتّبات موظفيها  ، وأن القوات الأجنبية التي احتلتها أثناء الحرب العالمية الثانية لا تزال باقية على أراضيها ، وقد قرّرت الحكومة الليبية التفاوض مع هذه الدول ولكن قبل الدخول في المفاوضات ترغب الحكومة الليبية فى الحصول على قروض أو مُساعدات تُعزّز بها مركزها التفاوضي مع بريطانيا وأمريكا وفرنسا " .
وأقترح على الجربي أن تُقدم مصر مُساعداتٍ ماليٍةٍ الى ليبيا ، واذا لم يكن ذلك متاحاً ، فإنه يطلب أن تُقرض مصر ليبيا 2 مليون جنيه إسترليني لتغطية عجز الميزانية.
فكان جواب محمود فوزى أنه وزير خارجية فى حكومة عسكرية ، ومن الأفضل طرح الموضوع على مجلس قيادة الثورة ، وأقترح أن يجتمع على الجربي مع الرئيس اللواء محمد نجيب الذي كان يتولى رئاسة المجلس .
وخلال اللقاء ، شرح الوزير الليبي للرئيس نجيب الأوضاع فى ليبيا  وتحدّث معه بصراحة حول جميع التفاصيل ، وكان ردّ اللواء محمد نجيب : أن مصر فى حالة ثورة ، وقيادة الثورة لم تُفرغ بعدُ من تنظيم كل الأوضاع فى البلاد وبالتالي فهي ليست فى وضع يمكنها من تقديم مساعدات مالية الى ليبيا ولا تستطيع منحها أية قروض . ونصحه بإلإعتماد على النفس وإتخاذ ما تراه الحكومة الليبية مناسباً لتحقيق مصالحها !
بعد هذه المقابلة ، نصح محمود فوزي على الجربي ، بالإجتماع مع البكباشي جمال عبد الناصر الذي كان يتولى منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة المصرية ، وأن السلطة الفعلية كانت فى يده ! وبالفعل ، إجتمع على الجربي بعبد الناصر، وشرح له أوضاع ليبيا والمأزق المالي الذي هي فيه ، بل والضغوط التي تواجهها من الدول المُحتلة التي تلحّ على الدخول معها فى مفاوضات لتسوية العلاقة معها ومع وجودها العسكري ، وشرح له أن الحكومة الليبية تتجنّب الدّخول فى مفاوضات من مركز ضعف! أو أن تضطرّ لتوقيع معاهداتٍ تحت ضغوط حاجاتها المالية الصّعبة ، ولكن عبد الناصر ظل صامتاً ولم يعقب !
فعاد على الجربي للشرح ، واقترح على ، عبد الناصر أن تقدم مصر لليبيا ولو قرضاً بصورة مؤقتة بمليوني جنيه .. ولما لم يُجب عبد الناصر، خفّض الجربي - لكي لا يعود بخفي حنين – القرض الى مليون جنيه ولمدة ستة أشهر من أجل التغلب على العجز فى الميزانية ، هنا سأل عبد الناصرعلى الجربي : - هل أخذتم رأي الشعب فى الأمر ؟

أجاب وزير الدفاع الليبي: حول ماذا ينبغي أن نستشير الشعب يا أخ ناصر ! نحن دولة ناشئة وفى أول خطوات تكوينها ونواجه ازمة انعدام الموارد ، ونرغب فى أن لا تبتزّنا الدول التي كانت تحتل بلادنا بسبب العجز الذى ليست لنا حيلة فى وجوده ، فقاطعه عبد الناصر بصوت فيه حدّة وسخرية  : « ومع ذلك ، يجب استشارة الشعب أولا ! «
فأدرك على الجربي أن المقابلة انتهت ، فاستأذن فى الانصراف ؟
وعاد الى الفندق ليحزم حقيبته ويتوجه الى العراق !
 وفى بغداد ، بدأ الإجتماع بالامير عبد الإله ، الوصيّ على عرش العراق ، ثم برئيس الحكومة العراقية ، السيد نوري السعيد ، الذي تحدّث بصراحة كاملة عن أوضاع بلاده السيئة وتخلفها وفقر شعبها وانحطاط مرافقها الأساسية ، الى درجة أن بغداد ما تزال تعاني من انعدام المجاري وخدمات الصّرف الصحّي ، ولذلك فقد قررالعراق بعد تطوّر إنتاج النفط ، تخصيص كافة مداخيله للصّرف على خطة التنمية التي ستنقذ  البلاد من الانحطاط المُزمن والتّخلف الذي تعانيه فى جميع المرافق !
 وقال نوري السعيد بصراحته المعروف بها : - قُل لإخوانك بصراحة  في ليبيا ، بأنه لا توجد دولة عربية واحدة  فى مقدورها مساعدة ليبيا بما فى ذلك العراق ! وعلى الليبيين أن يعتمدوا على أنفسهم ويتدبّروا  أمورهم مع الانجليز لإنقاذ بلادهم اذا ما أرادوا حقاً ، قيام دولتهم الجديدة .
وعاد على الجربي الى بلاده  بخيبة أمل وخُفيّ حنين ؟
وناقشت الحكومة الإتحادية نتائج رحلته الفاشلة فى مصر والعراق ، وانتهى النقاش الى ضرورة الإعتماد على النفس وتدبّر الأمور بشجاعة كما هي نصيحة نوري السعيد ؟ ولم تجد أمامها إلا الدّخول فى مفاوضات مع الإنجليز لتسوية أوضاع  وجودهم العسكري فى ليبيا والقبول بعرضهم فيما يتعلق  بالمساعدة المالية والدخول معهم فى محادثات كما كانوا يعرضون ، اذا ما قبلوا إبرام معاهدة .
وفى مذكرات رئيس الحكومة الليبية الأسبق بعنوان ( صفحات مطوية ) ذكر السيد مصطفى بن حليم : أن مصر وافقت على تقديم مساعدةٍ مالية سنوية مقدارها فقط " مليون " جنيه مصري ! ولكنها اشترطت على ليبيا " تعديل الحدود " التى بينهما لصالح مصر، والتنازل لها عن ( واحة جغبوب) وتعيين مستشارين مصريين للإشراف على تنفيذ المساعدة المالية .

ثم يذكر مصطفى بن حليم : رد السفير المصري ، على وفد جمعية عمر المختار برئاسة  الأستاذ مصطفى بن عامر، الذي جاء يناشد " السفير المصري " إسراع مصر فى الموافقة على تقديم المساعدة المالية لليبيا حتى تتفادى حكومة ليبيا التورّط  والإرتباط  بمعاهدة  مع  بريطانيا !
وكان رد السفير كما يلي : « لقد تحمّلت مصر ثمانين عامًا من الإستعمار الانجليزي ، ولن يضرّكم أن تتحمّلوا – أيها الليبيون عشرين عامًا من البقاء تحت نفس الإستعمار "!!
إزاء ذلك ، لم يكن أمام الحكومة الليبية  إلا القبُول بنصيحة نوري السعيد: التي قال فيها : « تدبّروا  أمركم واعتمدوا على أنفسكم ولا تنتظروا من العرب أيّ مساعدة " ؟
وقبلت الحكومة الليبية بالدّخول مع الحكومة البريطانية فى مفاوضاتٍ من أجل الحُصول على مساعداتٍ تسُدّ بها عجز الميزانية العامة للدولة ، مُقابل التباحث عن تسوية للوجود العسكري البريطانى على أراضيها ولإبرام معاهدة صداقة وتحالف وإتفاقيات عسكرية ومالية تتناول جميع المشاكل .
****
وفي منتصف يناير من سنة 1953 جرى في بنغازي ، إفتتاح المحادثات الرسمية بين الحكومتين الليبية والبريطانية ، وبعد أسبوع واحد ، تمّ الاتفاق بين الجانبين على تمديد الاتفاقية المالية المؤقتة حتى نهاية يوليو 1953 ، وتواصلت المفاوضات فى ليبيا ، ثم  انتقلت الى لندن حتى توصّلت إلى الصّيغة النهائية للمعاهدة التى إتفق عليها الوفدان ، وقدّمتها حكومة محمود المنتصر، للملك ولمجلس النواب ، ووضعت صيغتها النهائية أمام أنظار الجميع للنقاش .

****

ومن جانبنا ، نحن المعارضة الليبية ، التي قامت فى القاهرة من طرف طلبة الكتلة الوطنية الحرة ، ووسط أجواء التشجيع المصري وبإشراف سكرتير عام الكتلة المنفي فى القاهرة والوثيق الصلة بأمين عام الجامعة العربية السيد عبد الرحمن عزام ، وبالإضافة الى ما حققه محمد توفيق المبروك فقد صعّدنا من حملاتنا ضد المعاهدة التي اعتبرناها معاهدة مُشينة ومُخلة باستقلال ليبيا الكامل وغير مقتنعين بضرورة  ومبرّرات إبرامها ، وأنها تصبّ فى النهاية فى صالح النفوذ الاستعماري البريطاني فى الشرق الأوسط  وأنها ستُلحق الضرر بالنسبة لكفاح  المصريين الذي بدأه حزب الوفد  ضد الانجليز بالغائه لمعاهدة سنة 1936 .
ونجح سكرتيرعام الكتلة الذي يتزعّم حركتنا ، فى حشد جمع كبير من الشخصيات السياسية المرموقة في مصر، على رأسهم وزير الخارجية الأسبق لحزب الوفد ، الدكتور محمد صلاح الدين و الأستاذ فتحي رضوان ، رئيس الحزب الوطني الجديد ،  وزعيم الحزب الاشتراكي أحمد حسين صاحب جريدة ( مصر الفتاة ) وصالح حرب ، زعيم جمعية الشبان المصريين ، وقادة الشبان المسيحيين .
وعُقدت اجتماعات حاشدة  للتنديد بالمعاهدة البريطانية الليبية وبرئيس الحكومة محمود المنتصر الموالي للإنجليز والذي يسعى لتوريط ليبيا فيما يُنقص من إستقلالها وسيادتها ويعرّض مستقبلها للمخاطر بحُجة ضعف الموارد وعجز ليبيا التي تحاول تكوين دولتها ، على تدبير مواردها المالية والإنفاق على تصريف أمورها وتسيير إدارتها الجديدة رغم ما أبلغونا إيّاه من عروض مصرالأخوية الكريمة لدعم ليبيا ومساعدتها !!
 وقد اشترك فى حملات الأحزاب والملتقيات السياسية المصرية زعماء مكتب المغرب الكبير فى القاهرة الذين كان بينهم الشيخ البشيرالابراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين فى الجزائر والشاذلي مكيّ ممثل حزب الشعب الجزائري والزعيم مصّالي الحاج ، وقادة تونسيين بينهم صالح بن يوسف عن الحزب الحر الدستوري وعلاّل الفاسي وعبدالخالق الطرّيس وأحمد بن سوده من المغرب الأقصى والمنجي الطيب ( مناضل تونسي مستقل ) والمناضل الفلسطيني محمد على الطاهر. والصحفي الجزائري مصطفى بن بشير .
وكانت الأخبارالتي تصلنا من ليبيا تؤكد تواطؤ الحكومة الليبية وتهافتها على ابرام المعاهدة ولم نكن نصدّق ما تدّعيه من عجز مالي وعدم القدرة والامكانيات على قيام الدولة وتحقيق  الاستقلال وصدقها فى عدم التورّط  فى إبرام هذه المعاهدة المشينة .
ولم نصدّق ما تدّعيه  الحكومة الليبية عن موقف مصر والعراق وتخليهما عن مساعدة ليبيا على تجاوز العجز المالي وخذلانهما ، كما لم نصدّق الشروط المهينة التي تقدمت بها مصر مقابل اقراض ليبيا ( مليون  جنيه مصري ) ومطالبتها بتعديل الحدود والتنازل على واحة جغبوب واشراف مستشارين مصريين على الميزانية الليبية !!                                                                                                                                                          
وكان يقوّي من معارضتنا ويرفع من معنوياتنا ما يصلنا من أخبار مُبالغ فيها عن الموقف المعارض لنواب المؤتمر الوطني فى مجلس النواب وموقف جمعية عمر المختار فى برقة الرافض لعقد المعاهدة . وأن الملك ادريس نفسه ليس من المتحمّسين لعقد معاهدة مع الانجليز ليست الجارة مصر راضية عنها .
وكان مما يعزز من الحملات التي يقوم بها تكتلنا الطلابي ضد المعاهدة موقف اذاعة ( صوت العرب ) التي كانت يومها في بداية إنشائها ، وليس بها سوى أحمد سعيد والسيدة نادية توفيق والأديب صالح جودة  وشخص رابع يراجع المادة التي نقدمها قبل السماح باذاعتها ! ولكننا اكتشفنا شخصيته فيما بعد وعرفنا أنه " الصاغ أركان حرب " فتحي الديب ، مدير المخابرات العسكرية للشئون العربية !
 وكان أحمد سعيد يُقدّمني للمستمعين : في جميع الخطابات التى أوجهها الى ليبيا " بإبن ليبيا البار " وكنت أنا ، الشاب الصغير السن ، المحدود الوعي والتجربة .. أصف بكل جرأة ووقاحة التطرّف والحماس المتشنّج ، الرّجل الذي لم أكن أعرفه ولا أعرف ما يخوضه من ظروف صعبة وهو يحاول أن ينقذ بلاده : المرحوم محمود المنتصر ، أصفه " بالرجل غير المحمود .. وأصرخ بتشنّج ، عبر ميكروفون صوت العرب انه : » محمود المنكسر» !
ولكي تدركوا حجم الحقائق فيما كان يقوم به هذا الذي يطلق عليه " ابن ليبيا البار ببساطة " صفة  المنكسر ، دعوني أنقل لكم ما ورد في ( مذكرات المرحوم محمد عثمان الصيد ) عن المعاناة والكفاح الشاق المرير الذي خاضه  فى سبيل إبرام المعاهدة  التي اضطرّ أن يبرمها من أجل إنقاذ الدولة الليبية ، وتحقيق وجودها المستقل ، وتتمكن من دفع رواتب موظفيها !!
كتب محمد عثمان الصيد فى مذكراته يقول :   
«  خلال المفاوضات ، اقترح الجانب الليبي أن تشتمل المعاهدة على نصّ يقضي باحترام  ميثاق جامعة الدول العربية ، فى حين أصرّ الجانب البريطاني على أن يقتصر الأمر على احترام ميثاق الأمم المتحدة فقط !
ومن النقاط التي استغرق النقاش حولها وقتًا طويلا ، رغبة بريطانيا فى أن تُستعمل القواعد العسكرية من طرف حلفائها أيضا ، في حين تمسّك الجانب الليبي بأن يقتصر إستعمال القواعد على القوات البريطانية فقط .
وثمة مسألة أخرى استغرقت وقتاً طويلاً من النقاش تتعلق بمحاكمة الجنود البريطانيين الذين يرتكبون مخالفات أو جرائم فى ليبيا، اذ أن الانجليز أصرّوا على محاكمة هؤلاء أمام محاكم بريطانية فى حين تمسّك الليبيون بمحاكمتهم أمام محاكم ليبية .
وبعد مفاوضات طويلة توصل الجانبان إلى حل وسط يقضي بمحاكمة الجنود أمام محاكم بريطانية إذا أُرتُكبت المخالفة داخل القاعدة العسكرية في حين تتم محاكمتهم  أمام محاكم ليبية إذا وقعت المخالفة خارج القاعدة العسكرية » .
ويضيف محمد عثمان الصيد عن هذه المفاوضات التي يقودها رئيس الحكومة الاتحادية الليبية مع بريطانيا فيقول: كان محمود المنتصر الذي يقود المفاوضات بصبرٍ وأناءةٍ ، حين يتوصّل إلى اتفاق حول أحد بنودها  يعرضه على مجلس الوزراء لدراسته ، وبعد إقراره يستأنف التفاوض .
وقبل التوصّل إلى الصيغة النهائية للمعاهدة  تقرر أن يُسافر السيد محمود المنتصر إلى بريطانيا لبحث كافة التفاصيل واستكمال الجوانب المتعلقة بالإتفاقية المالية التي إقترح الجانب البريطاني ان تكون مُدتها خمس سنوات ويُعاد النظر فيها بعد كل خمس سنوات على ضوء الإحتياجات الليبية وكذا على ضوء إمكانيات الحكومة البريطانية ، وكان الجانب الليبي قد اقترح أن تكون  مدة الاتفاقية المالية مماثلة لمدة الاتفاقية العسكرية ، بيد أن البريطانيين أصرّوا على الفصل بينها بحيث تتم إعادة النظر فى الاتفاقية المالية  كل خمس سنوات ، كما أصرّ الجانب الليبي على إعادة النظر فى مجمل الاتفاقيات بعد عشر سنوات وهو الشرط الذي اشترطه الجانب الليبي وتمسّك به لأن مدة المعاهدة الأساسية عشرون عاماً .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بريطانيا إقترحت فى بداية المفاوضات أن تكون مدة المعاهدة ستين سنة ! وفى المقابل قدّم الجانب الليبي اقتراحاً بأن لا تتجاوز مدة المعاهدة عشر سنوات ، وبعد مداولات وجدل اُتفق على أن تكون مدة المعاهدة عشرون سنة ، على أن يُعاد النظر فى مجمل بنود المعاهدة بعد عشر سنوات ، فى مُقابل قبول الإتفاقية المالية  , وتمّ بعد تلك المداولات الإتفاق على هذه النقاط ، كما اُتفق على أن تسلم بريطانيا جميع المباني الحكومية إلى الحكومة الليبية بحيث لا يبقى لها إلا بعض القواعد بشرط أن تكون خارج المدن ، وذلك بعد انتهاء العشر سنوات. ومما نصّت عليه المعاهدة الليبية البريطانية فى المادة الرابعة  ما يلي:
« ليس فى هذه المعاهدة ما يرمي الإخلال أو يخلّ بأي حال بالحقوق والإلتزامات التي تترتّب أو قد تترتب علي الفريقين الساميين المتعاقدين بموجب ميثاق الأمم المتحدة ، أو بموجب  أي إتفاقياتٍ أو عهودٍ أو معاهداتٍ دولية قائمةٍ بما فى ذلك ما يخصّ ليبيا وميثاق جامعة الدول العربية.
وقد استفادت ليبيا مما جاء فى هذه المادة فى مجريات حرب السويس سنة 1956 ، إذ تمسّكت بتطبيق هذه المادة حرفياً حيث أصرّت على عدم إستعمال القوات البريطانية الموجودة في ليبيا ضد الشقيقة مصر " . 
وفى نهاية المفاوضات توصّل السيد المنتصر الي صيغة الإتفاقية المالية التي بموجبها تُقدم بريطانيا دعماً مالياً الى ليبيا فى حدود ثلاثة مليون وسبعمائة وخمسة وسبعين ألف جنيهاً إسترلينياً ، تخصّص منها 2 مليون وسبعمائة وخمس وسبعون الفاً لدعم الميزانية ومليون جنيه  للتنمية .
عقب ذلك ، بعث السيد محمود المنتصر برقية بالشفرة يقول فيها: إن أقصى ما استطاع التوصل إليه هو هذا الاتفاق بالنسبة للجانب المالي ، واقترح أن تجتمع الحكومة مع الملك وتُعرض عليه ما تمّ التوصّل اليه ، فإذا تمّ إقرار الإتفاق نمضي قدماً ، واذا لم تتمّ الموافقة  يجب أن تستقيل الحكومة

فى هذه الأثناء  اُرسلت "برقيات" من طرف بعض الليبيين ، خاصة من برقة إلى وزارة الخارجية البريطانية وإلى الصحف البريطانية  تُشير إلى أن السيد محمود المنتصر لا يمثّل ليبيا ، كانت هذه البرقيات تُرسل بإيعاز من ولاية برقة وغرضها إضعاف موقف السيد محمود المنتصر التفاوضي حتى يضطرّ للاستقالة !؟
بعد أن وصلت برقية السيد محمود المنتصر ، طلب السيد فتحي الكيخيا نائب رئيس الحكومة  اجتماعاً مع الملك ، كان ذلك فى الصيف والملك مقيم فى البيضاء فانتقلت الحكومة الى هناك واجتمعنا مع الملك فى أواخر شهر يونيو 1953 وأبلغه الكيخيا بالذي توصّل إليه محمود المنتصر وكذا باقتراحه أن تستقيل حكومته وتُشكل حكومة جديدة اذا رُفضت تفاصيل الاتفاقية .
وأثناء الإجتماع ، يُضيف الصيد ، سألتُ الملك : هل من الضّروري  توقيع معاهدة مع بريطانيا ؟ وقلت إنني أطرح هذا التساؤل لأن هناك أشخاصاً من الحاشية ومن ولاية برقة على وجه التحديد يقولون : إن الملك لا يرغب فى توقيع معاهدة مع بريطانيا فأجاب الملك قائلاً: الآتفاق مع بريطانيا ضروري جدًا لمصلحة ليبيا ولضمان أمنها واستقلالها، وأضاف الملك : إذا كانت الضرورة تُحتّم توقيع معاهدة مع بريطانيا وسيُعاد فيها النظر بعد عشر سنوات فلربما يمنّ الله  علينا خلال هذه الفترة بموارد وثروات أخرى تغنينا عن هذه المعاهدة .
تدخلتُ مجدداً وقلتُ : إذا كان الملك يرى أن الاتفاقية ضرورية فإننا نلتمس منه أن يأمرحاشيته بالصمت ، لأن " البرقيات " التي اُرسلت إلى لندن تُشكك وتطعن فى مصداقية  محمود المنتصر! تمت جميعها بإيعاز من الحاشية ؟ وخاصة من السيد ابراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية !
إبتسم الملك وأجاب قائلا : سأبحث الأمر لإيقاف هذه الأشياء .
بعد إنتهاء الإجتماع أرسلت الحكومة إلى محمود المنتصر تبلغه موافقة الملك والحكومة على تفاصيل المعاهدة .
****
حين قُدمت المعاهدة إلى مجلس الأمة ، فى أوائل أغسطس 1953 للمصادقة عليها ، بدأت اذاعة صوت العرب تشنّ حملاتٍ إعلامية شديدة اللهجة ضد الحكومة الليبية والمعاهدة ، واتهمت محمود المنتصر بأنه أحد أذناب الاستعمار، وزعمت أن المعاهدة وُقّعت ضد رغبة الشعب الليبي . وتحت تأثير هذه الحملة الاعلآمية وُزّعت مناشير من طرف بعض الليبيين ضد المعاهدة ، وقام الطلاب الليبيون فى القاهرة بمظاهراتٍ ، ونتج عن ذلك بلبلة وزوابع ضدّ المعاهدة " حسب شهادة السيد محمد عثمان الصيد محطات من تاريخ ليبيا ".
واجتمع مجلس النواب وقرر إحالة المعاهدة الى لجنة الشئون الخارجية ، وحدثت نقاشات حادة حول نصوصها ، ووجه أعضاء حزب المؤتمر فى مجلس النواب ، وكان عددهم ثمانية ، وهم مصطفى ميزران والشيخ عبد الرحمن القلهود ومصطفى السراج ومحمد الزقعار وعبد العزيز الزقلعي والعربي أبو سنّ والحاج المنير العروسي البشتي وكمال فرحات الزاوي انتقادات عنيفة ضد الاتفاقية ، وانصبّ هجومهم على شخصية السيد محمود المنتصر بالرغم من أنه ينتمي الى   ولاية طرابلس ، كما عارض المعاهدة بعض نواب برقة نذكر منهم خليل القلال وعبد السلام بسيكري ومحمود بو شريدة وعبد القادر البدرية والدكتور على نورالدين العنيزي وخليفة عبد القادر ، بحجة أن المبلغ الذي ستقدمه بريطانيا الى ليبيا  قليل وغير كافٍ!
وبعد أخذ ورد ونقاشات حادة وافق مجلس النواب الذي كان يتكون من خمس وخمسين نائباً على المعاهدة بالأغلبية ، وعارضها خمسة عشر نائباً ، ووافق مجلس الشيوخ بالأغلبية الساحقة على المعاهدة ، وبالرغم من ذلك تواصلت الحملات الاعلامية من إذاعة صوت العرب على المعاهدة ، وعلى شخصية محمود المنتصر!

                             هذا بالنص ما كتبه محمد عثمان الصيد في مذكراته ( محطات من تاريخ ليبيا )
صفحات 85 /89 وقد كان عضواً في الحكومة التي أبرمت المعاهدة
   ثم أصبح رئيساً للوزراء سنتي1962  /  1963

وأعود للرجل الذي وعدته بالزيارة ، فاتجهت الى منطقة ( رأس حسن ) حيث منزله العريق القديم الذي يبدو أنه منزل الأسرة وقد ورثه السيد محمود عن والده وهو الذي نشأ فيه .
وفتح لي الباب أحد أنجاله ، وأدخلني " للمربوعة " ، وأخترت من بين المقاعد التي يفوح منها جميعاً عبق القدم ! فاخترت المقعد المناسب ريثما يأتي الرجل الذي وجدني عندما قدم مستغرقاً فى تأمل قطع السلاح القديم الذي زين به الجدران ، فبادرني السيد محمود المنتصر: هذا ما ورثته عن الوالد الى جانب الصالون الذي حرصت أن أُبقي عليه كما هو ، من عهد حياة الوالد رحمه الله !
فأجبته – ولكن المنشأ - كما يبدو - كان فى هذا المنزل ، أما المولد فأين كان ؟
قال الرجل كان فى العجيلات ، حيث كان الوالد يعمل " قائم مقام " فى العهد العثماني ، ثم انتقلنا الى هذه " السانية " ولم نُبرحها الى أي مكان آخر!
 ودخلنا فى الحديث عن المعاهدة ، والبدايات الصعبة التي ولِدت فيها الدولة الليبية ، وعن الأيام المجيدة والمريرة التي عاشها حتى أعلن الملك ادريس ، فى الرابع والعشرين من ديسمبر 1952 ، قيام " الدولة " التي توحّدت واستقلت ، ووضعت أقدامها على بداية طريق التاريخ بعد أن لم يكن هناك إنسان واحد على امتداد مساحاتها ، يخطر عليه حتى فى الأحلام ، أن تتحرر وتقوم فيها دولة مستقلة ! ويرتفع في سماء  هذه الدولة  "علم " ! 
.

أعضاء الجمعية الوطنية عند وصولهم مدينة بنغازي لمبايعة السيد محمد إدريس السنوسي ملكاً لليبيا،
 ويرى في مقدمة الصورة السيد بشير السعداوي، رئيس حزب المؤتمر على يمين السيد إدريس

*******************************

هناك تعليق واحد:

  1. رحم الله ذاك الجيل وأعاد على ليبيا من بركاته، ستظل البلاد تبكي دما على ما فرطنا في حق هؤلاء الآباء المؤسسين لدولة ليبيا الحديثة والتي خرجت من شبه العدم إلى مقامات سامية وعالية بفضل الله ثم بفضل البررة من ذاك الجيل. رحم الله الملك الصالح محمد إدريس السنوسي وتغمده بواسع رحمته هو ومن معه من مخلصي هذا الوطن، ونسأله سبحانه أن يبعث فينا اليوم من يحمل هموم الوطن الجريح كما فعل من قبل. سلام على ليبا و على أبطاه الأفاضل.

    ردحذف

lailaelhoni_68@yahoo.com, blaila89@hotmail.co.uk