مر على تحرير ليبيا من المردوم معمر القذافي

الثلاثاء، يوليو 07، 2026

لنبدأ من هنا* (2) … بقلم/ ليلى أحمد الهوني .. حول المبادرات المطروحة من قبل المبعوث الأمريكي (مسعد بولس)

لنبدأ من هنا…

 (2)

(حين تُختبر المبادرات بالإرادة الوطنية الليبية)

بقلم/ ليلى أحمد الهوني


في المقالة السابقة، كان الحديث عن مبدأٍ يراه كثير من الليبيين أساسًا لأي تسوية وطنية قابلة للحياة، وهو أن يبدأ الحل من الداخل، وأن تكون الإرادة الليبية هي نقطة الانطلاق، لا النتيجة التي يُنتظر الوصول إليها بعد اكتمال التفاهمات الخارجية.


واليوم، ومع تصاعد الحديث عن التحركات الأمريكية الأخيرة، وما رافقها من لقاءات أجراها مبعوث الإدارة الأمريكية (مسعد بولس) مع عدد من المسؤولين والساسة الليبيين، يعود السؤال ذاته ليطرح نفسه من جديد: هل تمثل هذه التحركات مسارًا مختلفًا عن المبادرات التي سبقتها؟ أم أنها تعيد إنتاج النهج نفسه الذي اختبره الليبيون خلال السنوات لماضية؟


تشير معظم المعطيات المتداولة إلى أن الرؤية الأمريكية المطروحة تقوم على الدفع نحو توحيد المؤسسات الليبية، والسعي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وتعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي، وصولًا - بحسب ما أُعلن - إلى مرحلة الانتخابات.


ومن حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أهمية توحيد مؤسسات الدولة أو إنهاء حالة الانقسام السياسي فيها، فهذه تظل مطالب وطنية طال انتظارها. غير أن جوهر النقاش لا يكمن في عناوين المبادرات، بل في آليات تنفيذها، وترتيب أولوياتها ومدى انسجامها مع الإرادة الوطنية، وقدرتها على معالجة جذور الأزمة الليبية، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.


فقد اعتاد الليبيون خلال السنوات الماضية، على سماع عناوين متشابهة: توحيد المؤسسات، دعم الاستقرار، الدفع نحو الانتخابات، وتعزيز الحوار بين الأطراف. ومع ذلك كله بقيت الأزمة نفسها تتراوح مكانها، بينما تكررت المراحل الانتقالية، واستمر الانقسام، وتأجل الاستحقاق الانتخابي أكثر من مرات عدة.


ومن هنا، فإن تقييم أي مبادرة جديدة لا ينبغي أن يقوم على حسن النوايا المعلنة فقط، وإنما على الأسئلة التي تفرضها التجربة الليبية نفسها!.


أول هذه الأسئلة يتعلق بترتيب الأولويات:
فهل يؤدي تأجيل الانتخابات إلى ما بعد سلسلة طويلة من إجراءات توحيد المؤسسات إلى تقريب الحل؟

 أم أنه قد يطيل المرحلة الانتقالية مرة أخرى؟.


إن هذا التساؤل لا ينبع من رفض توحيد المؤسسات؛ بل من تجربة سابقة شهدت تأجيل الاستحقاقات الوطنية أكثر من مرة تحت عناوين مختلفة، دون أن يتحقق الاستقرار المنشود للمواطن.


ويبرز كذلك سؤال آخر لا يقل أهمية؛ يتعلق بمدى شمولية أي مبادرة تُطرح لمعالجة الأزمة الليبية.

 فالدولة الليبية لا تختزل في شرقها أو غربها، وإنما تقوم على أقاليمها كافة، وفي مقدمتها الجنوب الليبي، الذي يمثل جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني، ويتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية وأمنية، لا يمكن تجاوزها عند البحث عن أي تسوية وطنية شاملة.


إن أي مقاربة لا تمنح جميع مكونات الوطن المساحة نفسها في الحوار وصناعة القرار، قد تواجه تحديات حقيقية في بناء الثقة التي تحتاج إليها أي عملية سياسية، لأن الشعور بالشراكة الوطنية لا يقل أهمية عن الاتفاقات السياسية ذاتها.


ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال المصالح الدولية المرتبطة بالملف الليبي، فليبيا تمثل موقعًا استراتيجيًا مهمًا، كما تمتلك موارد طاقة تجعلها محل اهتمام العديد من القوى الدولية. وليس من المستغرب أن تسعى الدول إلى حماية مصالحها فيها، فهذا جزء من طبيعة العلاقات الدولية.


 لكن في المقابل يبقى من حق الليبيين أن يتساءلوا: إلى أي مدى تتقاطع هذه المصالح مع أولويات المواطن الليبي، الذي ينتظر منذ سنوات دولة مستقرة، ومؤسسات موحدة، ودستور متفق عليه من قبل الشعب الليبي، وانتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة؟


ولعل ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مجرد مبادرة جديدة، بقدر ما تحتاج إلى بيئة سياسية تبني الثقة بين الليبيين أنفسهم. فالثقة هي الحلقة التي ما زالت غائبة في معظم المسارات السابقة، وهي التي تجعل أي اتفاق قابلًا للاستمرار، أو معرضًا للتعثر بعد فترة قصيرة من توقيعه.


لقد أثبتت التجارب أن الوسيط الدولي يستطيع أن يقرب وجهات النظر، وأن يهيئ مساحة للحوار لكنه لا يستطيع أن يصنع الإرادة الوطنية، ولا أن يفرض على شعبٍ ما شعورًا بالاقتناع بحل لم يكن شريكًا حقيقيًا في صياغته.



ومن هنا، فإن نجاح أي تحرك دولي لا يقاس بعدد الاجتماعات التي تُعقد، ولا بحجم الدعم السياسي الذي تحظى به المبادرة، وإنما بمدى احترامها للقرار الليبي، وإفساحها المجال أمام الليبيين؛ ليكونوا أصحاب الكلمة الأولى في رسم مستقبل وطنهم.


إن ليبيا لا تعاني من نقص في المبادرات، بقدر ما تعاني من حاجة ملحة إلى مشروع وطني جامع، يضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الضيقة، ويؤسس لمؤسسات قوية، وسيادة قانون، وقاعدة دستورية واضحة، تقود إلى انتخابات حرة ونزيهة، يكون الاحتكام فيها إلى إرادة الشعب الليبي وحده.


ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي أفرزته السنوات الماضية؛ فالدول لا تُبنى بتعدد المبادرات، وإنما تُبنى عندما تتحول الإرادة الوطنية إلى المرجعية التي تنطلق منها جميع الحلول، لا إلى نتيجة مؤجلة في نهايتها.


فحين تُختبر المبادرات بالإرادة الليبية، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من يقود المبادرة؟ وإنما: هل تقترب هذه المبادرة من تطلعات الليبيين، أم تبتعد عنها؟


وعندما تكون الإجابة صادقة عن هذا السؤال، يصبح الطريق إلى الدولة أكثر وضوحًا، ويغدو الأمل في استعادة ليبيا لعافيتها أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.


ولنا عودة…


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

lailaelhoni_68@yahoo.com, blaila89@hotmail.co.uk