مر على تحرير ليبيا من المردوم معمر القذافي

الجمعة، يوليو 10، 2026

الحل… دستور* ... بقلم/ ليلى أحمد الهوني

الحل… دستور*


بقلم/ ليلى أحمد الهوني



بين جميع المسارات التي جُرّبت أو طُرحت للخروج من الأزمة الليبية، يبقى المسار الأكثر أمانًا واستقرارًا هو بناء دولة تقوم على دستور واضح الهوية؛ دستور يشارك الليبيون جميعًا في صياغته والاتفاق عليه، ليكون أساسًا جامعًا لدولة القانون والمؤسسات.


فالدستور ليس مجرد أوراق أو نصوص قانونية، بل هو "عقد وطني" متين يحدد شكل الدولة، وينظم صلاحيات سلطاتها، ويضع حقوق المواطن الليبي في مقدمة أولوياته، كما يشكل ضمانة أساسية لمنع عودة الاستبداد والفوضى لليبيين من جديد مهما كانت الظروف.

مرة أخرى، إن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى حلول مؤقتة تُرحّل الأزمة من مرحلة إلى أخرى، بل تحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد (بنفس عميق) يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ ويضع أسس الاستقرار الحقيقي فيها. ومن هنا يمكن النظر في مجموعة من الخطوات العملية:

أولًا: إطلاق حوار وطني شامل.


إن أي دستور ناجح لا يمكن أن يُفرض من جهة واحدة مهما كانت قوتها أو نفوذها، كما لا ينبغي أن يُصاغ بعيدًا عن المجتمع الليبي بجميع تنوعاته.

 لذلك فإن الحاجة تقتضي إلى إطلاق حوار وطني حقيقي وشامل لا يُستثنى منه أحد، ويشمل مختلف المناطق والتيارات الاجتماعية والسياسية على حدٍ سواء.


فمن خلال هذا الحوار فقط يمكن أن يشعر المواطن الليبي بأن صوته حاضر، وأن مستقبل بلاده يُصنع بمشاركته لا بعيدًا عنه أو بمعزل عن إرادته.

ثانيًا: تشكيل لجنة دستورية مستقلة.


تحتاج ليبيا إلى لجنة دستورية مستقلة ذات تمثيل واسع من مختلف مكونات الشعب الليبي، تكون مهمتها الأساسية في صياغة مشروع دستور يعكس خصوصية ليبيا وتاريخها وتنوعها الثقافي والاجتماعي، بعيدًا عن جميع المصالح الشخصية والحسابات "التكتلية" ضيقة النطاق.


ويجب أن تكون هذه اللجنة محل ثقة حقيقية لدى الليبيين جميعًا، وأن تعمل بمنتهى النزاهة والشفافية (ملحة الطلب) وأن تستمد شرعيتها من الداخل الليبي ومن إرادة المواطنين أنفسهم.

ثالثًا: بناء دولة مدنية تقوم على تداول السلطة.


لقد أثبتت التجارب السابقة أن تركيز السلطة في يد فرد أو مؤسسة واحدة يعرّض الدولة لخطر الانحراف والمساومات الرخيصة. لذلك فإن أي حل وطني مستدام يجب أن يضمن قيام دولة مدنية تقوم على الفصل الواضح بين السلطات، وعلى تداول السلطة عبر الدستور والانتخابات والمؤسسات.
إن الحديث عن "الدولة المدنية" لا يعني بالضرورة التشكيك في وطنية أفراد المؤسسة العسكرية، بل يعني أن الجيش يجب أن يبقى مؤسسة وطنية مهمتها تكمن في حماية البلاد وحدودها، بعيدًا عن جميع التجاذبات السياسية أو ممارسة الحكم.

رابعًا: رفض أي صيغة حكم لا تقوم على إرادة شعبية واضحة.


لقد عانى الشعب الليبي طويلًا من تجربة الحكم الفردي التي امتدت لعقود، ودفع خلالها أثمانًا باهظة من أجل استعادة حقه في اختيار مستقبله وانتزاع حريته فحقوقهِ.


لذلك فإن أي مشروع سياسي، سواء ارتبط بالماضي أو بالأشخاص أو بالعائلات أو بالرموز التاريخية، يجب أن يخضع أولًا لإرادة الشعب الليبي نفسه، وذلك من خلال وضع دستور واضح واستفتاء حر ونزيه حوله.


فالدول لا تُبنى بالأسماء بل بالمؤسسات القوية والعدالة وسيادة القانون. وكل من يريد خدمة ليبيا الوطن بصدق؛ يجب أن تكون قيمته بما يقدمه لوطنه لا بما يحمله من اسم أو تاريخ أو مكانة أياً كان نوعها.

خامسًا: وضع ضمانات تمنع تكرار أخطاء الماضي.


يجب ألا يكون الدستور القادم مجرد وثيقة سياسية، بل حصنًا يحمي المواطن والدولة، ومن أهم ضماناته:
تحديدٌ واضحٌ لفترات الحكم، مع منعٍ باتٍّ لأي تمديدٍ غير مبرر أو غير محدود.


استقلال القضاء.
حماية الحريات وحقوق الإنسان.
توزيع متوازن للصلاحيات بين مؤسسات الدولة.
وجود آليات قانونية وسلمية لحل الخلافات.

سادسًا: المصالحة الوطنية قبل بناء المستقبل.


لا يمكن لأي دستور أن ينجح في مجتمع ما زال يحمل جراحًا وآلامًا عميقة، دون استحضار مصالحة وطنية حقيقية تقوم على الاعتراف بمعاناة الليبيين وجبر الضرر، وطي كامل لصفحات الماضي وفتح صفحة جديدة، يكون المواطن الليبي هو الهدف الأول والأخير فيها.

إن إنقاذ ليبيا لا يحتاج إلى البحث عن حاكم قوي بقدر ما يحتاج إلى نظام قوي؛ فالأشخاص يتغيرون، أما المؤسسات فهي التي يجب أن تبقى على ما وضعت عليه.


والدستور العادل هو الطريق الذي يجعل الجميع تحت سقف واحد؛ فلا غالب ولا مغلوب، ولا مواطن يشعر بأنه مستبعد داخل وطنه.


قد لا يكون الطريق الدستوري هو الطريق الأسهل، لكنه حتماً يكون هو الطريق الأكثر أمانًا. فالأوطان لا تُنقذ بالقوة المؤقتة ولا بالحنين إلى الماضي، بل باتفاق أبنائها على قواعد عادلة تحكم حاضر بلادهم وتحمي مستقبل أجياله.


أُعيد مرة أخرى التأكيد:


بإن ليبيا اليوم بحاجةٍ ماسّة إلى عقدٍ واعتمادِ (دستورٍ) يجمع الليبيين بكل أطيافهم وثقافاتهم، دون أي تمييز أو تأخير.

 فليبيا لا تحتاج إلى مراحل انتقالية جديدة تُعمّق انقسام أبنائها وتزيد من تفكك دولتها، بل تحتاج إلى وضع دستور راسخٍ يوحّدها ويؤسس لدولة مستقرة يسودها العدل والمواطنة.
——————————
* تُظهر التجربة الدستورية للمملكة المتحدة أن قوة الدستور لا تكمن في كثرة نصوصه، بل في وضوح قواعده واستمرار احترامها. ويُعد الدستور البريطاني دستورًا غير مقنن، يقوم على التشريعات البرلمانية، والأحكام القضائية، والأعراف الدستورية، في إطار مبدأ السيادة البرلمانية والملكية الدستورية.
المراجع:
UK Parliament – The UK Constitution
House of Commons Library – The United Kingdom Constitution: A Mapping Exercise

الثلاثاء، يوليو 07، 2026

لنبدأ من هنا* (2) … بقلم/ ليلى أحمد الهوني .. حول المبادرات المطروحة من قبل المبعوث الأمريكي (مسعد بولس)

لنبدأ من هنا…

 (2)

(حين تُختبر المبادرات بالإرادة الوطنية الليبية)

بقلم/ ليلى أحمد الهوني


في المقالة السابقة، كان الحديث عن مبدأٍ يراه كثير من الليبيين أساسًا لأي تسوية وطنية قابلة للحياة، وهو أن يبدأ الحل من الداخل، وأن تكون الإرادة الليبية هي نقطة الانطلاق، لا النتيجة التي يُنتظر الوصول إليها بعد اكتمال التفاهمات الخارجية.


واليوم، ومع تصاعد الحديث عن التحركات الأمريكية الأخيرة، وما رافقها من لقاءات أجراها مبعوث الإدارة الأمريكية (مسعد بولس) مع عدد من المسؤولين والساسة الليبيين، يعود السؤال ذاته ليطرح نفسه من جديد: هل تمثل هذه التحركات مسارًا مختلفًا عن المبادرات التي سبقتها؟ أم أنها تعيد إنتاج النهج نفسه الذي اختبره الليبيون خلال السنوات لماضية؟


تشير معظم المعطيات المتداولة إلى أن الرؤية الأمريكية المطروحة تقوم على الدفع نحو توحيد المؤسسات الليبية، والسعي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وتعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي، وصولًا - بحسب ما أُعلن - إلى مرحلة الانتخابات.


ومن حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أهمية توحيد مؤسسات الدولة أو إنهاء حالة الانقسام السياسي فيها، فهذه تظل مطالب وطنية طال انتظارها. غير أن جوهر النقاش لا يكمن في عناوين المبادرات، بل في آليات تنفيذها، وترتيب أولوياتها ومدى انسجامها مع الإرادة الوطنية، وقدرتها على معالجة جذور الأزمة الليبية، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.


فقد اعتاد الليبيون خلال السنوات الماضية، على سماع عناوين متشابهة: توحيد المؤسسات، دعم الاستقرار، الدفع نحو الانتخابات، وتعزيز الحوار بين الأطراف. ومع ذلك كله بقيت الأزمة نفسها تتراوح مكانها، بينما تكررت المراحل الانتقالية، واستمر الانقسام، وتأجل الاستحقاق الانتخابي أكثر من مرات عدة.


ومن هنا، فإن تقييم أي مبادرة جديدة لا ينبغي أن يقوم على حسن النوايا المعلنة فقط، وإنما على الأسئلة التي تفرضها التجربة الليبية نفسها!.


أول هذه الأسئلة يتعلق بترتيب الأولويات:
فهل يؤدي تأجيل الانتخابات إلى ما بعد سلسلة طويلة من إجراءات توحيد المؤسسات إلى تقريب الحل؟

 أم أنه قد يطيل المرحلة الانتقالية مرة أخرى؟.


إن هذا التساؤل لا ينبع من رفض توحيد المؤسسات؛ بل من تجربة سابقة شهدت تأجيل الاستحقاقات الوطنية أكثر من مرة تحت عناوين مختلفة، دون أن يتحقق الاستقرار المنشود للمواطن.


ويبرز كذلك سؤال آخر لا يقل أهمية؛ يتعلق بمدى شمولية أي مبادرة تُطرح لمعالجة الأزمة الليبية.

 فالدولة الليبية لا تختزل في شرقها أو غربها، وإنما تقوم على أقاليمها كافة، وفي مقدمتها الجنوب الليبي، الذي يمثل جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني، ويتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية وأمنية، لا يمكن تجاوزها عند البحث عن أي تسوية وطنية شاملة.


إن أي مقاربة لا تمنح جميع مكونات الوطن المساحة نفسها في الحوار وصناعة القرار، قد تواجه تحديات حقيقية في بناء الثقة التي تحتاج إليها أي عملية سياسية، لأن الشعور بالشراكة الوطنية لا يقل أهمية عن الاتفاقات السياسية ذاتها.


ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال المصالح الدولية المرتبطة بالملف الليبي، فليبيا تمثل موقعًا استراتيجيًا مهمًا، كما تمتلك موارد طاقة تجعلها محل اهتمام العديد من القوى الدولية. وليس من المستغرب أن تسعى الدول إلى حماية مصالحها فيها، فهذا جزء من طبيعة العلاقات الدولية.


 لكن في المقابل يبقى من حق الليبيين أن يتساءلوا: إلى أي مدى تتقاطع هذه المصالح مع أولويات المواطن الليبي، الذي ينتظر منذ سنوات دولة مستقرة، ومؤسسات موحدة، ودستور متفق عليه من قبل الشعب الليبي، وانتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة؟


ولعل ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مجرد مبادرة جديدة، بقدر ما تحتاج إلى بيئة سياسية تبني الثقة بين الليبيين أنفسهم. فالثقة هي الحلقة التي ما زالت غائبة في معظم المسارات السابقة، وهي التي تجعل أي اتفاق قابلًا للاستمرار، أو معرضًا للتعثر بعد فترة قصيرة من توقيعه.


لقد أثبتت التجارب أن الوسيط الدولي يستطيع أن يقرب وجهات النظر، وأن يهيئ مساحة للحوار لكنه لا يستطيع أن يصنع الإرادة الوطنية، ولا أن يفرض على شعبٍ ما شعورًا بالاقتناع بحل لم يكن شريكًا حقيقيًا في صياغته.



ومن هنا، فإن نجاح أي تحرك دولي لا يقاس بعدد الاجتماعات التي تُعقد، ولا بحجم الدعم السياسي الذي تحظى به المبادرة، وإنما بمدى احترامها للقرار الليبي، وإفساحها المجال أمام الليبيين؛ ليكونوا أصحاب الكلمة الأولى في رسم مستقبل وطنهم.


إن ليبيا لا تعاني من نقص في المبادرات، بقدر ما تعاني من حاجة ملحة إلى مشروع وطني جامع، يضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الضيقة، ويؤسس لمؤسسات قوية، وسيادة قانون، وقاعدة دستورية واضحة، تقود إلى انتخابات حرة ونزيهة، يكون الاحتكام فيها إلى إرادة الشعب الليبي وحده.


ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي أفرزته السنوات الماضية؛ فالدول لا تُبنى بتعدد المبادرات، وإنما تُبنى عندما تتحول الإرادة الوطنية إلى المرجعية التي تنطلق منها جميع الحلول، لا إلى نتيجة مؤجلة في نهايتها.


فحين تُختبر المبادرات بالإرادة الليبية، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من يقود المبادرة؟ وإنما: هل تقترب هذه المبادرة من تطلعات الليبيين، أم تبتعد عنها؟


وعندما تكون الإجابة صادقة عن هذا السؤال، يصبح الطريق إلى الدولة أكثر وضوحًا، ويغدو الأمل في استعادة ليبيا لعافيتها أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.


ولنا عودة…


الخميس، يوليو 02، 2026

لنبدأ من هنا* (1) … بقلم/ ليلى أحمد الهوني .. حول المبادرات المطروحة من قبل (مسعد بولس)

لنبدأ من هنا*

 (1)


(الإرادة الليبية أولًا)


بقلم/ ليلى أحمد الهوني


منذ عام 2011، أصبحت ليبيا ساحةً لمبادرات دولية وإقليمية متلاحقة، حمل بعضها شعارات دعم الاستقرار، وروِّج لبعضها باعتباره الطريق الأقرب لإنهاء الانقسام السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية. ومع مرور السنوات، لم تعد هذه المبادرات تُستقبل بالحماس ذاته الذي حظيت به في بداياتها، بل بدأ يتشكل لدى كثير من الليبيين شعور متزايد بالحذر، بل وحتى الشك في الكثير من الأحيان تجاه أي مبادرة تأتي من خارج حدود الوطن، مهما كانت الجهة التي ترعاها أو الأهداف التي تُعلن عنها ولاجلها.

ولعل هذا الشعور لا يعود إلى رفض التعاون مع المجتمع الدولي بمعناه السياسي، ولا إلى معاداة أي دولة بعينها، وإنما إلى تجربة طويلة عاشها الليبيون بكل تفاصيلها.

فقد شهدت البلاد تدخلات سياسية وعسكرية ودبلوماسية متعددة، وتعاقبت مبادرات واجتماعات واتفاقات حظيت باهتمام دولي واسع، لكنها لم تنجح حتى اليوم في تحقيق ما كان ينتظره المواطن الليبي: استقرارًا دائمًا، أو مؤسسات موحدة، أو دستورًا يضع الأسس الراسخة لبناء الدولة، أو انتخابات رئاسية تنهي حالة الانقسام التي امتدت لسنوات.

ولهذا، أصبحت كلمة "مبادرة" في حد ذاتها تحمل لدى كثير من المواطنين معنى مختلفًا عما كانت تحمله في السابق. فبدلًا من أن ترتبط بالأمل في الوصول إلى حلول حقيقية، باتت تستحضر في أذهانهم سنوات طويلة من الانتظار، والوعود المؤجلة، والنتائج التي لم ترتقِ إلى مستوى تطلعاتهم.

ومع كل إعلان عن اية مبادرة جديدة، يتجدد السؤال نفسه لدى الشعب الليبي: لماذا لم تنجح المبادرات التي سبقتها؟ وما الذي يجعل المبادرة الجديدة هي الأكثر قدرة على تحقيق ما عجزت عنه المبادرات السابقة؟ فضلًا عما يراه المواطن من استخفاف بمعاناته، وكأن الزمن وحده أصبح هو البديل عن الحلول.

ومن هنا، ينظر كثير من الليبيين إلى أي تحرك خارجي، سواء كان أمريكيًا أو أوروبيًا أو أمميًا أو إقليميًا، يرونه فقط من خلال عدسة التجربة التي عاشوها. فقد أصبحت الثقة، في نظرهم لا تلك التي تُبنى على التصريحات، ولا على حسن النوايا، ولا على كثرة المبادرات نفسها، وإنما على النتائج الملموسة التي تنعكس على حياة المواطن اليومية، وعلى حلول حقيقية تُنهي الأزمات بدلًا من إطالة أمدها وإثقال كاهل الشعب بها.

وفي المقابل، يزداد اقتناع شريحة واسعة من أبناء الوطن بأن الحل الحقيقي لا بد أن يبدأ من الداخل؛ لأن الليبيين، مهما اختلفت آراؤهم، هم الأعرف بتركيبة مجتمعهم، والأقدر على فهم تعقيدات واقعهم، والأحرص على مستقبل وطنهم. كما يدركون أن أي تسوية لا تنطلق من توافق وطني حقيقي ستظل عرضة للتعثر ويليه الفشل، مهما حظيت هذه المبادرات من دعم إقليمي أو دولي.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى الانعزال عن العالم أو رفض التعاون مع الدول والمنظمات الدولية؛ فالتعاون بين الدول ركيزة أساسية في العلاقات الدولية، والاستفادة من الخبرات والوساطات الخارجية أمر مشروع ومطلوب. غير أن كثيراً من الليبيين يرون أن هذا الدور يجب أن يبقى في إطار الدعم والمساندة، لا أن يتحول إلى بديل عن الإرادة الوطنية أو إلى مصدر لصناعة القرار الليبي من خارج حدوده.

إن ليبيا ليست دولة فقيرة برجالها ولا بكفاءاتها، بل تزخر بقامات قانونية وسياسية واقتصادية وأمنية وأكاديمية تمتلك من الخبرات والمعرفة ما يؤهلها للإسهام في بناء مشروعها الوطني الجامع، متى توافرت بيئة آمنة وصادقة للحوار، بعيدًا عن صراعات السلطة وتضارب المصالح. كما ان المجتمع الليبي يضم شخصيات وطنية واجتماعية تحظى باحترام واسع، ويمكنها أن تؤدي دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر وتعزيز الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

إن كل ما يطمح إليه كثير من الليبيين اليوم ليس إغلاق الأبواب أمام العالم، ولا رفض أي مساعدة خارجية تسهم في دعم المواطن الليبي وتمهد الطريق نحو مستقبل أفضل، وإنما استعادة زمام المبادرة الوطنية، بحيث يكون القرار الليبي نابعًا من الداخل من الليبيين أنفسهم، وتكون أي مساهمة دولية من اي جهة كانت هي فقط عامل دعم لهذا القرار الحر، لا بديلًا عنه.

فالتجارب حول العالم أثبتت أن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض من خارج الأوطان، وإنما يُبنى بإرادة الشعوب نفسها. وعندها فقط يترسخ ويشعر المواطن بأنه هو الأساس الحقيقي في صناعة مستقبل وطنه.

فالوسيط، مهما بلغت خبرته وحسنت نواياه، قد ينجح في تقريب وجهات النظر، لكنه لا يستطيع أن يصنع الإرادة الوطنية، ولا أن يمنح أي شعب شعورًا بالانتماء إلى حل لم يكن شريكًا هو في صياغته.

ولهذا، فإن أي مبادرة، مهما كان مصدرها أو حسنت نوايا أصحابها، تظل فرص نجاحها مرتبطة أولًا بمدى احترامها للإرادة الليبية، واستماعها إلى صوت الليبيين، وانطلاقها من أولوياتهم هم، لا من حسابات الآخرين.

وفي نهاية المطاف، يبقى مستقبل ليبيا مسؤولية أبنائها أولًا وأخيرًا. وقد تختلف الرؤى حول الطريق الأمثل للوصول إلى الدولة المنشودة، لكن القاسم المشترك بين كثير من الليبيين يظل التطلع إلى وطن قوي بمؤسساته، مستقل بقراره، يستمد شرعيته من إرادة شعبه، ويصنع مستقبله بسواعد أبنائه.

وربما أصبحت ليبيا اليوم، بعد كل ما مرت به من "مبادرات" لم تحقق ما كان ينتظره شعبها، لا تبحث عن مبادرة خارجية جديدة بقدر ما تبحث عن فرصة حقيقية تنبع من الداخل، يقودها الليبيون أنفسهم، وتضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
إذًا، فلنبدأ من هنا .…


ولنا عودة أخرى حول هذا الشأن.
ــــــــــــــــــــــ
* كتبت هذه المقالة على خلفية الحديث المتداول بشأن آخر المبادرات المطروحة من قبل (مسعد بولس) مبعوث الإدارة الأمريكية.

الأربعاء، يوليو 01، 2026

إلى صديقاتي وأصدقائي وقرائي الأعزاء .. ليلى احمد الهوني

اذا تكرمتم لي بدقائق

إلى صديقاتي وأصدقائي وقرائي الأعزاء…
إذا تكرمتم عليّ ببضع دقائق، فهناك أمرٌ أود أن أبوح لكم به.
كلما أمسكتُ الكيبورد، يراودني سؤالٌ أظن أنه يتكرر في أذهان الكثيرين من حولي:
لماذا ما زلتُ أكتب؟
بالرغم من أنني أعيش في الخارج حياةً مستقرة، وأنعم في هذه الدولة بقيمتي الاجتماعية والإنسانية، وأحظى بكرامتي كامرأةٍ كاملة الحقوق، فما الذي يدفعني إلى أن أواصل الكتابة عن وطنٍ ابتعدتُ عنه؟
بل إنني أعيش، إن صحّ التعبير، "مترنحةً" بين وطنين، أتنقل بينهما متى شئتُ وأردت، فلماذا إذن ما زلتُ أكتب؟
سؤال مشروع، بل وربما سألته لنفسي أكثر من مرة.
والحقيقة أنني اليوم لا أكتب لأنني أبحث عن مصلحة شخصية، أو مكسب أريد أن أجنيه، أو مكانة أسعى إلى الوصول إليها من خلال كتاباتي عن وطني.
ولا أكتب لأُظهر نفسي صاحبة رأي، أو لأبدو منظّرةً تحاول أن تُقوِّم الناس، أو تصحح سلوكهم، أو تملي عليهم كيف يفكرون أو يكتبون.
ولا أكتب لأثبت أنني ما زلت حاضرة، أو لأقول: “ها أنا هنا… وما زلت أكتب.”
إنما أكتب لسبب واحد… أراه أعظم من كل ذلك.
أكتب لأنني أحلم باليوم الذي نلتقط فيه صورة لأهل وطننا، فتكون الابتسامات التي ترتسم على وجوههم ابتسامات حقيقية، نابعة من القلب، لا تخفي وراءها وجعًا، ولا خوفًا، ولا قلقًا. صورة تحمل في تفاصيلها معاني الطمأنينة والكرامة والفرح، وتبقى ذكرى جميلة لكل من عاشها، ولكل من يراها ومن سيراها من بعيد.
أكتب لأنني أريد أن أكسر الحواجز التي صنعها الزمن بيني وبين وطني، وأن أمحو المسافات التي فرضتها الغربة بيني وبين أهلي وناس بلادي، رغم أنني أعيش مع أسرتي الصغيرة بعيدًا عنهم.
أكتب لأنني ما زلت أحب ليبيا، وسأظل أحبها، وأتمنى لها دائمًا أن تكون كما تستحق أن تكون.
وأقولها لكم بكل صراحة وأمانة…
وأنا أعيش في الغربة، وأرى النظام الذي تقوم عليه هذه الدولة، وألمس قيمة الإنسان فيها، وأرى كيف يحمي القانون حقوق المواطن، وكيف يبقى المواطن هو الثروة الحقيقية التي تُبنى عليها الدولة، بينما تأتي جميع المناصب والمسؤوليات لخدمته لا للتسلط عليه… فإن ذلك لا يزيدني إلا يقينًا بأن أوطاننا العربية، وليبيا على وجه الخصوص، تستحق أن تصل إلى هذا المستوى من العدالة، واحترام الإنسان، وسيادة القانون.
والحقيقة أيضًا أنني، على الصعيد الشخصي، لست مضطرة إلى أن أكتب طلبًا لحق، أو بحثًا عن حياة كريمة. ففي بريطانيا أعيش مواطنةً تتمتع بحقوقها كاملة، وتصلني استحقاقاتي في وقتها، وأحظى بالأمن والاستقرار والاحترام، ولا ينقصني - ولله الحمد - شيء.
لكن يبقى في القلب أمرٌ لا تستطيع أي دولة في العالم أن تغيّره.
فليبيا بالنسبة لي ليست مجرد بقعة على الخريطة، ولا مجرد مكان وُلدت فيه، بل هي الجذور، والهوية، والذكريات، ورائحة الطفولة، وصوت الأهل، ودفء الانتماء.
هي الوطن الذي يسكن القلب، ولا يمكن أن يحل محله وطن آخر، مهما بلغ من الرقي، ومهما منحني من حقوق وكرامة.
ولهذا سأبقى أكتب…
لا لأنني أنتظر شيئًا لنفسي، ولا لأنني أبحث عن شهرة أو تصفيق، وإنما لأنني ما زلت أؤمن أن الكلمة الصادقة قد توقظ ضميرًا، وتزرع أملًا، وتفتح نافذةً نحو مستقبلٍ يستحقه كل ليبي وليبية.
فإذا كان الله قد كتب لي أن أعيش حياةً كريمة، فإن أقل ما أستطيع أن أقدمه لوطني هو ألا أتوقف عن الدعاء له، وعن الكتابة من أجله، وعن التمسك بالأمل فيه.
هذه هي حكايتي مع الكتابة…
وهذا هو السبب الذي يجعلني أستمر. وأكتب …
والحديث مستمر - ان شاء الله- إذا كان لي في العمر بقية
***************

. ليلى احمد الهوني

الثلاثاء، يونيو 30، 2026

ما قبل المولات! .. بقلم/ ليلى أحمد الهوني

  ما قبل المولات!


تَشْيَّد المولات فوق أنقاض وطن)


بقلم/ ليلى أحمد الهوني

ليست الدول أبراجًا من كريستال زمردية، ولا هي مراكز تسوق فسيفسائية عاجية، وليست تلك الأضواء التي تزين واجهات المولات البراقة والمضيئة، ولا القصور المتراصة السرمدية، كي تصبح لنا وفي أعيننا، دليلًا واقعيًا على ازدهار الأوطان بين ليلة وضحاها دولًا نموذجية.

فالدول الحقيقية تبدأ من مكان آخر؛ تبدأ بوضع (دستوراً) وهو الأساس لبناء الدول ثم تأتي بعده الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تمهد إلى طرق آمنة، ومستشفيات قادرة على إنقاذ حياة المواطن الإنسان، ومدارس تحفظ كرامة العلم والتعليم، وشبكات مياه وكهرباء تليق بإنسان يريد أن يعيش، لا أن ينجو يومًا بعد يوم مما كان يعيشه!

في ليبيا اليوم، وبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسامات المناطقية والإقليمية، والتناحرات والمفاخرات الاجتماعية التي خلفتها حقبة القذافي وما تلاها من انتفاضات شعبية؛ يبدو لي أن الأولويات قد اختلطت، كما اختلطت المفاهيم التي كان يجب أن تكون واضحة من الأساس، فلم تعد الصورة جلية كما ينبغي، ولا العلاقات الاجتماعية بقيت بسيطة كما كانت يتسم بها الشعب الليبي خاصة.

فما زالت مدن ليبية كثيرة تحمل آثار الدمار التي تلت أحداث "فبراير" المميزة والأسطورية، كما وما زالت البنية التحتية في ليبيا التي حطمتها الحروب والأزمات، تنتظر من يمد إليها يد البناء والنمو والعون، بينما نرى أن الأنظار باتت تتجه إلى أمور أخرى لم يحن وقتها بعد! أمور اذا قامت بها دول كبرى عاشت عصورًا متتالية من التقدم والازدهار والرخاء لوجدنا لها الأعذار؛ لا لشيء سوى لأنها فعلا هي دول حقيقية، لا بقايا حروب وتنازعات مجموعات عسكرية ميليشياوية.

ليبيا اليوم تتجه نحو بناء مشاريع استهلاكية لا تعود على الوطن والمواطن بأي جدوى اقتصادية حقيقية، مشاريع "مول ينطح مول" لا تمثل حلًا لأزمات المواطن البسيط، بل قد تزيد من شعوره بالغربة حتى وهو داخل وطنه. والأسوأ من ذلك ان من هم على رأس السلطة قد ركزوا على ما يقال إنه "مهم" وتناسوا بالكامل الأهم!.

ليس المقصود هنا التقليل من أهمية الاستثمار أو التنمية الاقتصادية في ليبيا، فكل مشروع قد يخلق عدد كبير من فرص العمل وهذا أمر محمود في أصله، ولكن الأسئلة التي تفرض نفسها هي:

هل يمكن لبلد مثل ليبيا أن يتحدث عن التنمية بينما مواطنوها ما زالوا يعانون من انقطاع الخدمات الأساسية؟
هل يُعد افتتاح المولات التجارية إنجازًا ضخمًا، حتى وإن شكك المواطن نفسه في من يقف وراءها؟
هل بناء أكبر المولات في مناطق بسيطة أمر صحيح، بينما الطرق متهالكة حتى أرهقت السيارات التي ستقود إلى تلك المولات؟
هل من المنطقي بناء مولات فخمة (إهدار للمال العام) بينما المستشفيات عاجزة عن علاج المواطن الذي هو نفسه “الزبون” المنتظر؟
هل من سيذهب للتنزه في المولات لا يعاني من انقطاع الكهرباء والمياه؟ وكيف سيشتري أساسياته إذا لم تتوفر له أبسط مقومات الحياة؟

أليست كل ما ذكرته حقوقًا أساسية مكفولة لهذا المواطن الإنسان؟
كما يجب هنا ان لا يفوتني التذكير بالأوضاع المعيشية الصعبة التي تجعل من فتح مراكز تجارية فاخرة أمرًا لا يتناسب مع قدرات المواطن المادية.

لقد دفع المواطن الليبي ثمن صراعات سياسية لم تنتهِ بعد، وحكومات متعاقبة لا يكمل بعضها ما بدأه الآخر، بل صار يبدأ كل طرف من حيث تبدأ مصالحه وامتلاء جيوبه لا من حيث تبدأ مصلحة الوطن والمواطن.

وبين كل هذا وذاك، يبقى ذلك المواطن الليبي البسيط هو الخاسر الأكبر، إذ يزداد فقرًا، وتتراجع ثقته في مؤسسات بلده، ويصبح الوطن فقط ساحة للتنافس على السلطة والمال، بدل من أن يكون بيتًا يحتوي ويضم الجميع.

وربما كانت القضية الأعمق هي مفهوم الحرية نفسه.
الكثيرون يعتقدون أن الحرية قد اكتملت بمجرد القدرة على الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو الوصول إلى الإنترنت دون قيود. والاعتراضات عبر كتابة المنشورات أو حتى المقالات ، لكن الحرية ليست مجرد مساحة للكلام والكتابة فقط بل هي منظومة متكاملة، فما قيمة حرية التعبير إذا كان الإنسان لا يجد تعليمًا جيدًا، أو علاجًا صحّيا كريمًا أو فرصة عمل تحفظ له كرامته وقيمته حتى بين أسرته؟

وما قيمة أن يكتب المواطن رأيه بحرية تامة وهو يخشى المرض إثر إصابته بنوبة غضب في أي لحظة، ولا يجد مستشفى يعالجه؟ أو أن ينقطع رزقه بسبب اقتصاد عاجز عن توفير أبسط مقومات الحياة، حتى وإن ملأ بيته وشوارع مدينته بالمنشورات والكتابات؟

الحرية لا تنفصل عن العدالة ولا عن الدستور والقانون، ذلك الدستور هل تتذكرونه؟ ام انه صار في طي النسيان؟ ولا عن التنمية ولا عن كرامة الإنسان. الحرية الحقيقية تعني أن يشعر المواطن بأن الدولة موجودة من أجله، تحميه وتوفر له الخدمات، وتساوي بين أبنائها، وتمنحه فرصة العيش بكرامة.

وفي المقابل اثناء بناء الدولة وهذه النقطة بالتحديد هي أهم من كل شيء وأي شيء؛ وهي بانه لا يمكن أن تقوم دولة قوية إذا اكتفى المواطن بالمطالبة بحقوقه باستمرار، وتجاهل واجباته تجاه دولته بالكامل. فالمواطنة ليست علاقة من طرف واحد بل هي عقد أخلاقي بين الفرد ووطنه.

فاحترام الدستور والقانون - إذا وجدا - والمحافظة على الممتلكات العامة، والمشاركة في بناء المجتمع، ورفض الفساد، ونبذ خطاب الكراهية، والوقوف تماما عن التمييز العنصري والجهوي المقيت، كل هذه الأشياء هي الواجبات التي لا تقل أهمية عن المطالبة الملحة بالحقوق.

لقد آن الأوان لأن ندرك أن بناء الأوطان لا يقاس بعدد المولات ولا بالمباني الحديثة، بل بقدرة الدولة على بناء الإنسان البشر قبل الإسمنت والحجر. فالدول التي تسعى للنهوض لا يمكنها إطلاقاً ان تنهض بالواجهات، بل تنهض وتتسارع في خُطى التقدم وذلك يحدث بوجود وتوفير المؤسسات القوية: التعليم، الصحة، العدالة، والاقتصاد المنتج .. إلخ.

إن ليبيا اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من المظاهر التي توحي بالتقدم بل إلى التقدم الحقيقي نفسه، تقدم يلتمسه المواطن في حياته اليومية. يكون فيها المسؤول خادمًا للشعب لا سيدًا عليه، وخطط وطنية تتجاوز الانقسامات وتضع الإنسان في مقدمة الأولويات.

فالوطن الذي تُبنى فيه المراكز التجارية قبل أن تُرمم فيه المدارس والمستشفيات، يشبه بيتًا نُزيّن واجهته بينما تتآكل أساساته الهشة بصمت لدرجة الانهيار.

ولعل أعظم ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مولًا هنا أو هناك، بل رؤية جديدة تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الوطن لا يُقاس بما يملكه من مبانٍ، بل بما يملكه من كرامة وعدالة وأمل في مستقبل أفضل. 


عندما تُسيَّس الفيفا ... بقلم/ ليلى أحمد الهوني



عندما تُسيَّس الفيفا

(من شغف الشعوب إلى لعبة المصالح)


بقلم/ ليلى أحمد الهوني

في عالمٍ تتسارع فيه الانقسامات وتتزايد فيه المسافات بين الشعوب، بقيت كرة القدم منذ سنوات طويلة هي المساحة الوحيدة التي تجمع ولا تفرّق.
ملعبٌ أخضر، كرة تتنقل بين اقدام لاعبين محترفين، وعدداً من جماهير مع اختلافات وجهات النظر وثقافات متعددة المستويات، لكنها جميعها تلتقي على دقائق واحدة ووقت واحد مليء بالشعور والمشاعر الجياشة المشتركة في نقطة ألا وهي (حب كرة القدم) دون اية أسئلة عن الهوية أو عن الانتماء!.

في تلك الدقائق تحديدًا، كان العالم يبدو أكثر إنصافًا وبساطة وإنسانية وأكثر حب وحيوية من على أي ساحةٍ أخرى. لكن هذا المشهد الذي شكّل ذاكرة أجيال؛ لم يعد حاضرًا معنا اليوم بالصفاء نفسه الذي اعتدناه.

شيئًا فشيئًا، تسللت السياسة إلى كرة القدم، لا كاقتحام صاخب، بل كفرض حضورٍ هادئ ومتدرّج يمشي بتطفل؛ تجاه كرة القدم خشية مما قد يفعله بها، حتى أصبحت جزءًا غير مباشر في اتخاذ بعض من القرارات الحاسمة، ومن طريقة جديدة خبيثة لإدارة اللعبة، بل ومن برمجة سياقها العام في معظم الأحيان.

ورغم أن توسع كأس العالم في الفترة الأخيرة عبر عدداً من الدول، يُقدَّم بوصفه خطوة نحو الانفتاح والتنوع والتقارب الثقافي والحضاري، ويحطم تلك المسافات نحو مزيدا من الصفاء والرقي. إلا أن هذه الصورة المضيئة لا تلغي حقيقة أن اللعبة في حد ذاتها مؤخرًا؛ باتت محاطة بتشابكات أوسع، تتداخل فيها الرياضة مع النفوذ والمصالح السياسية.

لقد أصبحت (FIFA) اليوم جزءًا من منظومة دولية ذات تركيبة معقدة، تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية مع ازدياد قيمة الحدث عالميًا، تتزايد محاولات التأثير عليه بشكل مباشر أو غير مباشر.

وهنا تحديدا يبرز السؤال الأهم: هل ما زالت تلك المعايير الرياضية تُطبّق بعدالة كاملة على الجميع؟ أم أنها تُعاد صياغتها وفق السياق والظروف التي تدور من حولها؟

عندما تتحول القواعد من ثابتة إلى مرنة بشكل انتقائي، تفقد الرياضة أحد أهم أسسها: ألا وهي العدالة والثبات على المبدأ. ذلك المبدأ الذي لا تقوم بدونه أي منافسة رياضية حقيقية.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن التاريخ الرياضي نفسه؛ فقد شهد العالم حالات إقصاء واستبعاد ارتبطت بحروب أو أنظمة أو أزمات سياسية كبرى، مثل ما حدث مع جنوب أفريقيا في حقبة الفصل العنصري، أو مع يوغوسلافيا في ظل الحروب والانهيارات السياسية التي دارت داخل البلاد والأمثلة كثيرة.

لكن في المقابل، يظل التفاوت في تطبيق المواقف بين حالة وأخرى مصدرًا مشروعًا للتساؤل حول ثبات المعايير وحيادية القرارات.

المشكلة الجوهرية ليست في اتخاذ موقف ما، بل في غياب الاتساق والوضوح في تطبيقه. فحين تختلف المعايير، تتراجع الثقة تدريجيًا حتى لو استمرت البطولات وازدحمت الملاعب.

ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب إنكار أن كرة القدم لم تعد بمنأى عن التأثيرات السياسية، بل باتت تتقاطع معها بشكل يجعل الفصل التام بينهما أمرًا معقدًا، وربما غير واقعي.

وقد كشفت بعض البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2022 في قطر، هذا التحول بوضوح، حيث تجاوز الحدث إطاره الرياضي إلى فضاء أوسع من الجدل الإعلامي والسياسي، رغم النجاح التنظيمي اللافت الذي رافقه.

كما أعادت مشاركات لاحقة لمنتخبات مختلفة وما صاحبها من نقاشات حول أبعاد سياسية، فتح الأسئلة ذاتها حول حدود الفصل بين الرياضة والسياسة، ومدى استقلال القرار الرياضي عن التوترات الدولية السياسية.

حتى بعض التفاصيل التنظيمية التي يُفترض أن تُترك للحظ، مثل "قرعة المجموعات" باتت تُقرأ أحيانًا من زوايا الشك لدى الجمهور، خاصة عند تزامنها مع حساسيات سياسية بين بعض الدول رغم غياب أي دليل قاطع. لكن في عالم الرياضة، يكفي تراجع الثقة لخلق فجوة حقيقية بين اللعبة ذاتها وجمهورها.

إن الحقيقة الصعبة اليوم هي أن (FIFA) لم تعد بعيدة عن هذا التشابك، بل أصبحت جزءًا من مشهد دولي تتداخل فيه الرياضة مع السياسة بدرجات متفاوتة. وهذا توصيف لواقع قائم أكثر من كونه اتهامًا مباشرًا.

صحيح أنه من الصعب فصل السياسة عن كرة القدم بشكل كامل، لكن ما نشهده اليوم يتجاوز حدود التأثير الطبيعي، ليدخل في منطقة أوسع من التداخل الغير مريح، حيث تختلط الاعتبارات وتتقاطع المصالح.

ومع ذلك كله، يجب أن تبقى كرة القدم في جوهرها مساحة للروح الرياضية والتنافس الشريف، ومسؤولية الحفاظ على هذا المعنى تقع أولًا على المؤسسات المنظمة قبل أي طرف آخر.

وفي المحصلة، لم تعد اللعبة مجرد منافسة رياضية خالصة، بل أصبحت جزءًا من منظومة عالمية تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والرياضة، مّا يجعل الحفاظ على روحها الأولى تحديًا حقيقيًا في هذا العصر.

ما نطلبه ببساطة ليس عالمًا مثاليًا، بل وضوحًا في المعايير، وعدالة في التطبيق، وثقة تعيد التوازن بين اللعبة وجمهورها.

نريد كرة قدم للجميع فعلًا، أو على الأقل اعترافًا صريحًا بواقعها إن تغيّر. لأن الخسارة الحقيقية لا تبدأ عند ضياع بطولة أو مباراة، بل تبدأ حين يفقد الإنسان إحساسه بأن هذه اللعبة ما زالت تعنيه.

وعندها فقط، لا نخسر رياضة… بل نخسر معنى الفرح المشترك الذي وُجدت كرة القدم من أجلهِ.
~~~~~~~~~~~~~~~~~