الحل… دستور*
بقلم/ ليلى أحمد الهوني
بين جميع المسارات التي جُرّبت أو طُرحت للخروج من الأزمة الليبية، يبقى المسار الأكثر أمانًا واستقرارًا هو بناء دولة تقوم على دستور واضح الهوية؛ دستور يشارك الليبيون جميعًا في صياغته والاتفاق عليه، ليكون أساسًا جامعًا لدولة القانون والمؤسسات.
فالدستور ليس مجرد أوراق أو نصوص قانونية، بل هو "عقد وطني" متين يحدد شكل الدولة، وينظم صلاحيات سلطاتها، ويضع حقوق المواطن الليبي في مقدمة أولوياته، كما يشكل ضمانة أساسية لمنع عودة الاستبداد والفوضى لليبيين من جديد مهما كانت الظروف.
مرة أخرى، إن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى حلول مؤقتة تُرحّل الأزمة من مرحلة إلى أخرى، بل تحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد (بنفس عميق) يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ ويضع أسس الاستقرار الحقيقي فيها. ومن هنا يمكن النظر في مجموعة من الخطوات العملية:
أولًا: إطلاق حوار وطني شامل.
إن أي دستور ناجح لا يمكن أن يُفرض من جهة واحدة مهما كانت قوتها أو نفوذها، كما لا ينبغي أن يُصاغ بعيدًا عن المجتمع الليبي بجميع تنوعاته.
لذلك فإن الحاجة تقتضي إلى إطلاق حوار وطني حقيقي وشامل لا يُستثنى منه أحد، ويشمل مختلف المناطق والتيارات الاجتماعية والسياسية على حدٍ سواء.
فمن خلال هذا الحوار فقط يمكن أن يشعر المواطن الليبي بأن صوته حاضر، وأن مستقبل بلاده يُصنع بمشاركته لا بعيدًا عنه أو بمعزل عن إرادته.
ثانيًا: تشكيل لجنة دستورية مستقلة.
تحتاج ليبيا إلى لجنة دستورية مستقلة ذات تمثيل واسع من مختلف مكونات الشعب الليبي، تكون مهمتها الأساسية في صياغة مشروع دستور يعكس خصوصية ليبيا وتاريخها وتنوعها الثقافي والاجتماعي، بعيدًا عن جميع المصالح الشخصية والحسابات "التكتلية" ضيقة النطاق.
ويجب أن تكون هذه اللجنة محل ثقة حقيقية لدى الليبيين جميعًا، وأن تعمل بمنتهى النزاهة والشفافية (ملحة الطلب) وأن تستمد شرعيتها من الداخل الليبي ومن إرادة المواطنين أنفسهم.
ثالثًا: بناء دولة مدنية تقوم على تداول السلطة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن تركيز السلطة في يد فرد أو مؤسسة واحدة يعرّض الدولة لخطر الانحراف والمساومات الرخيصة. لذلك فإن أي حل وطني مستدام يجب أن يضمن قيام دولة مدنية تقوم على الفصل الواضح بين السلطات، وعلى تداول السلطة عبر الدستور والانتخابات والمؤسسات.
إن الحديث عن "الدولة المدنية" لا يعني بالضرورة التشكيك في وطنية أفراد المؤسسة العسكرية، بل يعني أن الجيش يجب أن يبقى مؤسسة وطنية مهمتها تكمن في حماية البلاد وحدودها، بعيدًا عن جميع التجاذبات السياسية أو ممارسة الحكم.
رابعًا: رفض أي صيغة حكم لا تقوم على إرادة شعبية واضحة.
لقد عانى الشعب الليبي طويلًا من تجربة الحكم الفردي التي امتدت لعقود، ودفع خلالها أثمانًا باهظة من أجل استعادة حقه في اختيار مستقبله وانتزاع حريته فحقوقهِ.
لذلك فإن أي مشروع سياسي، سواء ارتبط بالماضي أو بالأشخاص أو بالعائلات أو بالرموز التاريخية، يجب أن يخضع أولًا لإرادة الشعب الليبي نفسه، وذلك من خلال وضع دستور واضح واستفتاء حر ونزيه حوله.
فالدول لا تُبنى بالأسماء بل بالمؤسسات القوية والعدالة وسيادة القانون. وكل من يريد خدمة ليبيا الوطن بصدق؛ يجب أن تكون قيمته بما يقدمه لوطنه لا بما يحمله من اسم أو تاريخ أو مكانة أياً كان نوعها.
خامسًا: وضع ضمانات تمنع تكرار أخطاء الماضي.
يجب ألا يكون الدستور القادم مجرد وثيقة سياسية، بل حصنًا يحمي المواطن والدولة، ومن أهم ضماناته:
تحديدٌ واضحٌ لفترات الحكم، مع منعٍ باتٍّ لأي تمديدٍ غير مبرر أو غير محدود.
استقلال القضاء.
حماية الحريات وحقوق الإنسان.
توزيع متوازن للصلاحيات بين مؤسسات الدولة.
وجود آليات قانونية وسلمية لحل الخلافات.
سادسًا: المصالحة الوطنية قبل بناء المستقبل.
لا يمكن لأي دستور أن ينجح في مجتمع ما زال يحمل جراحًا وآلامًا عميقة، دون استحضار مصالحة وطنية حقيقية تقوم على الاعتراف بمعاناة الليبيين وجبر الضرر، وطي كامل لصفحات الماضي وفتح صفحة جديدة، يكون المواطن الليبي هو الهدف الأول والأخير فيها.
إن إنقاذ ليبيا لا يحتاج إلى البحث عن حاكم قوي بقدر ما يحتاج إلى نظام قوي؛ فالأشخاص يتغيرون، أما المؤسسات فهي التي يجب أن تبقى على ما وضعت عليه.
والدستور العادل هو الطريق الذي يجعل الجميع تحت سقف واحد؛ فلا غالب ولا مغلوب، ولا مواطن يشعر بأنه مستبعد داخل وطنه.
قد لا يكون الطريق الدستوري هو الطريق الأسهل، لكنه حتماً يكون هو الطريق الأكثر أمانًا. فالأوطان لا تُنقذ بالقوة المؤقتة ولا بالحنين إلى الماضي، بل باتفاق أبنائها على قواعد عادلة تحكم حاضر بلادهم وتحمي مستقبل أجياله.
أُعيد مرة أخرى التأكيد:
بإن ليبيا اليوم بحاجةٍ ماسّة إلى عقدٍ واعتمادِ (دستورٍ) يجمع الليبيين بكل أطيافهم وثقافاتهم، دون أي تمييز أو تأخير.
فليبيا لا تحتاج إلى مراحل انتقالية جديدة تُعمّق انقسام أبنائها وتزيد من تفكك دولتها، بل تحتاج إلى وضع دستور راسخٍ يوحّدها ويؤسس لدولة مستقرة يسودها العدل والمواطنة.
——————————
* تُظهر التجربة الدستورية للمملكة المتحدة أن قوة الدستور لا تكمن في كثرة نصوصه، بل في وضوح قواعده واستمرار احترامها. ويُعد الدستور البريطاني دستورًا غير مقنن، يقوم على التشريعات البرلمانية، والأحكام القضائية، والأعراف الدستورية، في إطار مبدأ السيادة البرلمانية والملكية الدستورية.
المراجع:
UK Parliament – The UK Constitution
House of Commons Library – The United Kingdom Constitution: A Mapping Exercise