مر على تحرير ليبيا من المردوم معمر القذافي

الجمعة، أغسطس 07، 2026

لماذا الآن؟ بقلم/ ليلى أحمد الهوني

لماذا الآن؟


بقلم/ ليلى أحمد الهوني


دعونا نجلس معًا قليلًا…
هناك سؤال يتردد في مجالسنا، ويتكرر في أحاديثنا، ويكاد لا يخلو منه نقاش يدور بين الليبيين:
لماذا الآن؟

لماذا أصبحت انقطاعات الكهرباء أكثر حضورًا في حياتنا اليومية؟
ولماذا ارتفعت تكاليف المعيشة إلى مستويات لم نكن نتوقعها؟
ولماذا باتت أبسط تفاصيل الحياة أكثر مشقة مما كانت عليه؟
ولماذا أصبح كثير من الناس يستحضرون الماضي بحنين، مع أن كثيرين منهم كانوا، في ذلك الوقت نفسه، يتطلعون إلى مستقبل مختلف، يأملون فيه أن يلتحق وطنهم بعالم كان يتقدم بخطى متسارعة في مجال العلم والتكنولوجيا والتنمية؟

قبل أن أواصل…
دعوني أوضح أمرًا أراه ضروريًا.
فأنا هنا لا أكتب هذه السطور دفاعًا عن مرحلة سياسية، ولا إدانةً لأخرى، كما أنني لا أسعى إلى إقناع أحد بتغيير قناعته تجاه أحداث أصبحت جزءًا من تاريخنا، ولكل إنسان حقه، في أن يقرأها من زاوية تجربته الشخصية.

إنما أكتب لأنني بت أخشى أن تكون ضغوط الحاضر قد جعلتنا ننظر إلى الماضي بعين واحدة.

فالإنسان بطبيعتهِ، عندما تثقل عليّه هموم اليوم، يستدعي من ذاكرته أكثر اللحظات كانت طمأنينة له، ويميل إلى تذكر ما كان يبعث في نفسهِ شعورًا بالأمان والاستقرار.
وهذا شعور إنساني لا يُلام عليه أحد منا.

لكن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى الصورة كاملة، لا إلى الجزء الذي يوافق مشاعرنا وحده.

فكما يوجد هناك أشياء نفتقدها اليوم، كانت هناك أيضًا أمور يتمنى فيها الكثير من الناس؛ لو أنها لم تكن موجودة أصلًا.

لقد عرفنا الاستقرار في جوانب، كما عرفنا القيود في جوانب أخرى.

وقد كان التعبير عن الرأي محدودًا، وكانت الكلمة تُحسب كثيراً قبل أن تُقال، كما أن الوصول إلى المعلومة، وإيصال الصوت، لم يكن بالمساحة التي نعرفها اليوم.

وفي المقابل، فإن من الإنصاف أيضًا ألا نتجاهل ما يعيشه المواطن الليبي اليوم من تحديات حقيقية، سواء في الخدمات، أو الاقتصاد، أو الانقسامات السياسية، أو تفاصيل الحياة اليومية التي أصبحت أكثر صعوبة.

ولهذا…
فإن الحنين إلى الماضي مفهوم، كما أن القلق من الحاضر مفهوم أيضًا.

لكن…
هل تكفي هذه الصورة وحدها لفهم ما جرى ويجري؟

هنا تحديدًا تبدأ الفكرة التي أود أن نتأملها معًا.

كثير من الأسئلة التي نطرحها اليوم، لا يمكن الإجابة عنها إذا نظرنا إليها من زاوية واحدة فقط، لأن ما نعيشه اليوم ليس نتيجة عامل واحد، ولا نتيجة لحدث واحد، بل هو حصيلة تحولات متداخلة، محلية وعالمية، تتابعت خلال سنوات متتالية، حتى صنعت الواقع الذي نراه بهذا الشكل اليوم.

لقد جاءت الانتفاضات التي عُرفت لاحقًا بـ "الربيع العربي" في مرحلة كان العالم كله يشهد تغيرات متسارعة، لم تقتصر على السياسة وحدها، بل امتدت إلى الاقتصاد، والتكنولوجيا، ووسائل الاتصال، وسوق العمل، وطبيعة الحياة نفسها.

وفي نفس الفترة أيضًا، عاد الكثير من الليبيين الذين كانوا يقيمون في الخارج إلى وطنهم، مدفوعين بالأمل في المشاركة في بناء مرحلة جديدة.

وكانت تلك العودة، من حيث المبدأ، أمرًا طبيعيًا ومفهومًا، بل وحملت معها خبرات وتجارب فكرية وعلميّة متنوعة، يمكنها - بلا شك - أن تسهم في خدمة المواطن والمجتمع والوطن.

غير أن هذه الزيادة في عدد السكان، وما صاحبها من تغيرات ديموغرافية، وضعت بدورها ضغطًا إضافيًا على الخدمات العامة، والإسكان، والكهرباء، والمياه، والتعليم، والرعاية الصحية، وسوق العمل، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تمر بمرحلة انتقالية معقدة.

ولعل من المفيد أن نتذكر أن آخر تعداد رسمي للسكان في ليبيا قد أُجري عام 2006، وكان عدد السكان آنذاك ما يقارب خمسة ملايين ونصف المليون نسمة فقط، بينما شهدت البلاد بعد ذلك تغيرات كبيرة في أعداد المقيمين داخلها، الأمر الذي جعل حجم الطلب على الخدمات أكبر بكثير مما كانت عليه من قبل.

وفي الوقت نفسه، كان العالم يعيش ثورة تكنولوجية غير مسبوقة.

أصبحت وسائل الاتصال أكثر تطورًا، واتسع الفضاء الرقمي، وتغيرت طبيعة المعرفة والعمل والإعلام بسرعة هائلة، حتى إن دولًا كثيرة كانت تجد صعوبة في مواكبة هذا التحول المتسارع.

ولم تقف التحولات عند هذا الحد.
ففي السنوات نفسها، بدأ العالم يولي اهتمامًا متزايدًا بقضايا التغير المناخي، وأمن الطاقة، والتصحر، والأمن الغذائي، وأصبحت هذه الملفات جزءًا من النقاشات الدولية، لما لها من تأثير مباشر في الاقتصادات، وأسعار السلع، ومستقبل التنمية.

ولا أقول هذا لأجعل من هذه العوامل مبررًا لكل ما نعيشه، ولا لأربط كل مشكلة بسبب واحد، وإنما لأذكر بأن الصورة كانت - وما تزال - أكثر تعقيدًا من أن تُفسَّر بعامل واحد، أو تُختزل في مرحلة واحدة.

فالسياسة كان لها أثرها.
والاقتصاد العالمي كان له أثره.
والتطور العلمي والتكنولوجي كان له أثره.
والزيادة السكانية والضغط على الخدمات كان لهما أثرهما أيضًا.
ثم جاءت الخلافات السياسية، وتعدد الرؤى، والصراع على السلطة، لتضيف طبقة أخرى من التعقيد، إلى مشهد لم يكن بسيطًا منذ البداية.

أعتقد أن كثيرًا من الأسئلة التي نطرحها اليوم لا يمكن أن نجد لها جوابًا واحدًا، لأن الواقع بطبيعته أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في تفسير واحد، أو أن يُحمَّل مسؤولية ما جرى لطرف واحد أو مرحلة واحدة.

ولهذا…
فأنا لا أطلب من أحد أن يغيّر قناعته، ولا أسعى إلى أن يتبنى وجهة نظري أحد أو اية جهة ما ذلك.

كل ما أرجوه الآن، هو أن نمنح أنفسنا فرصة للنظر إلى الصورة كاملة، لا إلى الجزء الذي يؤيد ما نؤمن به فقط.

فالأوطان لا تُبنى بالحنين وحده، كما أنها لا تُبنى بالغضب وحده.
ولا تُبنى بإنكار الماضي، ولا بتقديسه، ولا بالاكتفاء بتحميل الحاضر وحده مسؤولية كل ما نعيشه.

بل تُبنى عندما نتحلى بالشجاعة الكافية للاعتراف بما كان صوابًا، والصدق الكافي للاعتراف بما كان خطأً، والحكمة الكافية والتامة؛ هي ان نتعلم من التجربتين معًا.

فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي لا تختلف، وإنما تلك التي تعرف كيف تجعل من اختلافها وسيلة للبناء، لا سببًا في الهدم.

ومن هنا…
فإن ما تحتاجه ليبيا اليوم، كما تحتاجه كل دولة مرت بظروف مشابهة، ليس البحث عن منتصر في الماضي، ولا عن مهزوم في الحاضر، وإنما في بناء المستقبل على أسس راسخة.

ويبدأ ذلك بالإسراع في استكمال دستورٍ يجمع الليبيين، وترسيخ دولة القانون، وبناء مؤسسات قوية، وتعزيز التوافق الوطني، لأن هذه هي القاعدة التي تقوم عليها التنمية، والاقتصاد، والتعليم، والخدمات، وحياة المواطن الكريمة، وإقامة "دولة ليبيا" الحقيقية.

وربما…
عندها نستطيع أن ننظر إلى الماضي بعين الإنصاف، وإلى الحاضر بعين المسؤولية، وإلى المستقبل بعين الأمل…

ولن نسأل أنفسنا بعدها:
لماذا الآن؟
بل سنسأل:
كيف نصنع غدًا لا يكرر أخطاء الأمس، ولا أن نُضيف إليها أخطاءً جديدة، حتى نُورّث لأبنائنا وطنًا يتسع للجميع؟
————————
هامش
إذا كان البعض يعزو ما تعانيه بعض الدول العربية إلى الانتفاضات الشعبية، فكيف يمكن تفسير موجات الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة التي تشهدها دول كثيرة لم تعرف لا ربيعاً ولا خريفاً ولا غيره؟ أليس هذا دليلًا على أن جزءًا من الأزمة، يرتبط بتحولات اقتصادية عالمية؟


الأربعاء، يوليو 29، 2026

مصلحة ليبيا أولًا بقلم/ ليلى أحمد الهوني

مصلحة ليبيا أولًا*


بقلم/ ليلى أحمد الهوني



منذ سنوات طويلة وأنا أحاول عبر مقالاتي المتنوعة أن أكتب عن وجعٍ لا يفارقني، وجع وطن اسمه ليبيا. وطنٌ أحببناه، وعشنا تفاصيله، وحملنا همّه، وما زلنا نؤمن رغم كل ما مرّ به، بأن له من القدرة على النهوض؛ ما يجعله يومًا في المكانة التي يستحقها.

لم تكن الأزمة الليبية وليدة لحظة عابرة، ولم تبدأ من يوم واحد أو حدث واحد، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة أثقلت كاهل المواطن الليبي، وأوصلته إلى مرحلة شعر فيها بأن التغيير أصبح ضرورة لا مفر منها، فخرج أبناء ليبيا في مدنها وقراها يحملون آمالًا كبيرة نحو مستقبل أفضل.

ولكن بناء الأوطان لا يتم بين ليلة وضحاها، ولا يكفي فيه سقوط مرحلة أو تغيير نظام حتى تتحقق الأحلام. فالأوطان التي خرجت من أزمات عميقة احتاجت إلى سنوات طويلة، وربما عقودًا، حتى استعادت توازنها وبنت مؤسساتها وترسخت فيها ثقافة الدولة والقانون.

ومن هنا كان علينا أن ندرك أن الطريق أمام ليبيا لم يكن قصيرًا، وأن رحلة البناء تحتاج إلى صبر، ووعي، وإرادة حقيقية من الجميع.

لقد تحدثت في مقالات سابقة عن أن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة لا يمكن أن تكون طريقًا آمنًا لبناء وطن مستقر. فحين تتحول الخلافات السياسية إلى صراع مسلح، فإن الوطن كله يدفع الثمن، وتصبح معالجة آثار الانقسام أصعب بكثير من معالجة أسباب الخلاف فيه.

ولعل من أكثر ما يؤلم القلب أن نرى اليوم آثار سنوات طويلة من تراجع التعليم والوعي العام، حيث تركت بعض المراحل السابقة مجتمعنا يعاني من ضعف في الثقافة السياسية والاجتماعية، وأصبحنا نرى نتائج ذلك في صورة أزمات متكررة، وانقسامات، وفقدان الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

ومن المؤلم أيضًا أن نرى بعض أبناء الشعب الليبي يستحضرون الماضي بحسرة (العشرة فرادي بربع)** متناسين أن الشعوب لا تُقاس فقط بلحظة من الاستقرار أو بعض تفاصيل الحياة اليومية، بل تُقاس أيضًا بما فقدته من حقوق وكرامة وفرص في بناء مستقبل أفضل لها وللأجيال من بعدها.

إن الحنين إلى الماضي مفهوم عندما يكون الإنسان متعبًا من واقعه الذي يعيشه في حاضره، لكنه لا ينبغي أن يمنعنا من رؤية الصورة كاملة، ولا أن يجعلنا ننسى أن الشعوب لا تتقدم بالعودة إلى الوراء، بل بالتعلم من تجاربها وبناء مستقبلها.

لقد مرّ على ليبيا خلال السنوات الماضية عدد من المراحل الانتقالية والحكومات، وكان المواطن في كل مرة ينتظر أن تأتي له الحلول من الأعلى، ثم يكتشف أن تغيير الأسماء وحده لا يكفي، وأن الدولة لا تُبنى بمجرد تشكيل حكومة جديدة أو انتخاب مسؤول جديد.
فالمشكلة أعمق من الأشخاص، والحل أكبر من الأشخاص، وأكبر من الحكومات مهما اختلفت أشكالها.

ولعل من أكثر الملفات التي كشفت حجم الأزمة الليبية ملف الخدمات الأساسية، ومنها "أزمة الكهرباء" التي أصبحت مثالًا على تعقيد المشاكل حين تغيب الإدارة الرشيدة والتخطيط المستمر.
ولكن وسط كل هذا الألم، يجب ألا نفقد الإيمان بأن ليبيا قادرة على النهوض والاستقرار وأيضاً التقدم بمعناه الحقيقي.

فالأوطان لا تموت ما دام فيها أبناء يؤمنون بها، ويكتبون عنها، ويعملون ليل نهار من أجلها، ويرفضون أن يكون اليأس هو النهاية.

وقد يظن البعض أن من يعيش خارج الوطن لا يحق له الحديث عن معاناته، وهذا تصور غير منصف. فحب الوطن لا يُقاس فقط بمكان الإقامة، بل بما يحمله الإنسان في قلبه من انتماء وحرص ودعاء وعمل.
قد يعيش الإنسان بعيدًا عن أرضه، لكنه يحمل وطنه دائماً في وجدانه كل يوم.

كما أن نجاح أي دولة لا يأتي من الحظ، بل من منظومة كاملة من العمل والقانون والمسؤولية والمحاسبة. والدول التي استطاعت بناء مؤسسات قوية لم تصل إلى ذلك بين يوم وليلة، وإنما عبر أجيال عملت وصبرت وطورت من نفسها.

وهنا لا نذكر تجارب الآخرين للمقارنة أو التقليل من شعب وطننا ودولتنا، بل لنفهم أن بناء الدول نفسها يحتاج إلى جهد طويل، وأن ما نراه من استقرار في بعض الدول هو نتيجة تراكم عمل شعوب كاملة عبر سنوات طويلة لا تقاس.

يا أبناء وطني ليبيا…
إن انتظار رئيس قادم أو حكومة جديدة فقط؛ لن يصنع الوطن الذي نحلم به جميعنا.
فالقيادات تتغير باستمرار، وأيضًا الحكومات تأتي وتذهب، أما الوطن هو من سيبقى.

ليبيا ليست مسؤولية شخص واحد، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي أمانة في عنق كل مواطن ليبي.

تبدأ نهضة الوطن من الإنسان نفسه: من صدقه في عمله، ومن احترامه لقانون عمله، ومن حفاظه على المال العام، ومن رفضه للفساد، ومن قدرته على تقديم مصلحة ليبيا على أي مصلحة أخرى.

فالشعب ليس خارج الدولة، بل هو الدولة نفسها. وإذا أردنا وطنًا أفضل، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير.

نسأل الله أن يحفظ ليبيا وأهلها، وأن يجمع قلوب أبنائها على الخير، وأن يجعل القادم أفضل، وأن يكتب لوطننا الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار.

فمصلحة ليبيا ليست شعارًا يُرفع، ولا أمنية ننتظر أن يحققها لنا الآخرون، بل هي مسؤولية يحملها كل من قال يومًا: هذه ليبيا… هذه بلادي. فالوطن الذي ننتظر أن يبنيه غيرنا قد يطول انتظارنا له، أما الوطن الذي نشارك جميعًا في بنائه، فهو الوطن الذي سيبقى لنا ولأبنائنا من بعدنا.
——————
* هذه رسالة لكل من ينتظر من أبناء وطننا ليبيا ذلك "الفارس" الذي يمتطي جواده الأبيض لإنقاذ ليبيا، متناسين تماما بان سبب البلاء الذي فيه ليبيا اليوم، هو ناجم عن سلوك التغيير المستمر للحكومات والمسؤولين، منذ اندلاع السابع عشر من فبراير حتى يومنا هذا.
 **هذه الجملة هي كلمات ليبية المقصود منها 10 رغيف خبز بربع دينار اي 25 قرش.


الاثنين، يوليو 13، 2026

لا للتأفف* بقلم/ ليلى أحمد الهوني

لا للتأفف*

بقلم/ ليلى أحمد الهوني

(من الشكوى إلى صناعة البديل)


كثيرًا ما نسمع في الشأن الليبي اليوم أصواتًا تعبر عن الاستياء والتأفف من الواقع السياسي، وعن حالة الإحباط التي أصابت المواطن نتيجة تعاقب الأزمات، وضعف الثقة في قدرة المؤسسات القائمة؛ على الوصول بالبلاد إلى مرحلة الاستقرار الذي ينشده كل مواطن.

ولكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه جميعًا هو: هل يكفي أن نبقى مكتوفي الأيدي وفي دائرة الشكوى والتأفف؟ أم أن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة الاعتراض على الواقع إلى مرحلة المشاركة في صناعة القرار، والمساهمة في وضع البدائل الأكثر مرونة وقدرة على خدمة الوطن والمواطن؟

إن تجارب الدول التي استطاعت بناء مؤسسات قوية ومستقرة لها، لم تعتمد على رفض الواقع فقط بل اعتمدت على وجود أفكار منظمة لدولتها، ومشاريع سياسية واضحة المعالم، وآليات واقعية تسمح بالرقابة الحقيقية، وبوجود بدائل جاهزة لخدمة الوطن متى احتاج إليها.

ومن النماذج السياسية التي تستحق التأمل تجربة "حكومة الظل" وهي تجربة معروفة في عدد من الأنظمة الديمقراطية الحديثة، ومن أبرز صورها ما هو قائم في المملكة المتحدة؛ حيث تقوم المعارضة الرسمية، بتشكيل فريق سياسي يتابع أداء الحكومة القائمة، ويناقش سياساتها ويقدم رؤى وبرامج بديلة لها إذا دعت الضرورة، بحيث يكون هناك دائمًا فريق مستعد لتحمل المسؤولية السياسية؛ في حال تغيرت الظروف أو احتاجت الدولة إلى مسار جديد لها.

إن "حكومة الظل" ليست حكومة موازية تنازع الدولة سلطتها، وليست وسيلة لإرباك المؤسسات أو لتعطيل عملها، بل هي آلية سياسية هدفها الأساسي هو إعداد البديل، وممارسة الرقابة الدائمة والمسؤولة، ودفع الحكومة القائمة إلى تحسين أدائها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال وجود طرف يقدم رؤى مختلفة وحلولًا قابلة للنقاش.

وفي الحالة الليبية، قد لا يكون المطلوب نقل هذه التجربة كما هي، فلكل دولة ظروفها وخصوصيتها في جميع المجالات، ولكن يمكننا فقط الاستفادة من جوهرها ومغزاها الحقيقي: وهو ضرورة وجود إطار وطني من شخصيات ليبية مستقلة، أو كفاءات سياسية ومجتمعية عالية المكانة، أو تكتلات تحمل مشروعًا وطنيًا واضحًا تكون مهمتها دراسة الملفات الوطنية، ومتابعة الأداء العام وتقديم المقترحات العملية، والعمل على بناء رؤية متكاملة للدولة التي يريدها الليبيون؛ باعتبارها حقًا مشروعًا لكل مواطن فيها.

فالقضية ليست في تغيير الأشخاص فقط، وإنما في تغيير طريقة التفكير في العمل السياسي. لقد أثبتت التجارب التقدمية أن العمل السياسي لا يمكن أن يعتمد على الأفراد مهما كانت قدراتهم؛ فالشخصية السياسية تحتاج إلى مؤسسة، والبرنامج يحتاج إلى فريق، والفكرة تحتاج إلى حاضنة شعبية تدعمها وتراقب أداءها.

وقد رأينا في الواقع الليبي أن بعض الشخصيات حاولت تقديم نفسها كبديل سياسي أو كمسار إصلاحي، لكنها اصطدمت بغياب البيئة المؤسسية التي تمنح مثل هذه المبادرات القدرة على الاستمرار والتوسع. فالمشكلة ليست دائمًا في الأشخاص فقط، بل أيضًا في غياب الآليات التي تجعل العمل السياسي قائمًا على المؤسسات والبرامج، لا على ردود الأفعال والانتقادات فقط.

إن بناء الدولة لا يبدأ عند الوصول إلى السلطة، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ بإعداد الكفاءات، ووضع البرامج المدروسة، والاستماع إلى المواطنين، وتقديم نموذج جديد في العمل العام، وكل ذلك يجب ان يقوم على الشفافية والمسؤولية واحترام القانون.

ولعل أهم درس يمكن أن نستفيده من تجارب الدول المستقرة ليس أسماء أحزابها ولا شكل حكوماتها، وإنما ثقافة العمل التي قامت ومازالت تقوم عليها. فالدول لا تصل إلى ما هي عليه بين ليلة وضحاها بل تبنى عندما يؤمن أبناؤها بأن لهم دورًا في صناعة مستقبلها، وأن خدمة الوطن لا تبدأ فقط عند امتلاك السلطة، بل تبدأ منذ لحظة امتلاكهم الفكرة والاستعداد لتحمل المسؤولية كل المسؤولية.

فلم تنتظر الشعوب الناجحة تغير الظروف حتى تبدأ العمل، بل عملت على إعداد نفسها لتكون جزءًا من صناعة تلك الظروف. ولم تكتفِ بانتقاد الواقع، بل قدمت البدائل، وطورت البرامج، وبنت المؤسسات التي جعلت التغيير ممكنًا ومستدامًا.

إن الشعب الذي لا يرضى عن واقعه لا ينبغي أن يبقى أسير التأفف المستمر، بل عليه أن يحول حالة عدم الرضا إلى طاقة إيجابية، طاقة تدفعه للمشاركة في صناعة مستقبل أفضل لنفسه ولوطنه.
فالتغيير الحقيقي لا يأتي دائمًا بسقوط مرحلة حكومية ما، بل بقيام بديل أكثر تنظيماً التي على رأس الدولة، وأن تكون أكثر قدرة على خدمة الوطن والمواطن.

قد لا نستطيع أن نغير واقعًا تراكم عبر سنوات في يوم واحد، لكننا نستطيع أن نغير طريقة تعاملنا معه ابتداءً من اليوم. فكل دولة مستقرة كانت يومًا ما فكرة في عقول أناس، أناس آمنوا إيماناً مطلقاً بأن الأوطان تُبنى بالإرادة والعمل لا بالانتظار والتأفف.

لذلك فإن الرسالة التي نحتاج جميعًا إلى ترسيخها اليوم هي:
لا للتأفف… نعم للمبادرة.
لا للاكتفاء بالنقد… نعم لصناعة البديل.
لا لانتظار الحلول… نعم للمشاركة في بناء الدولة الليبية على أسس أكثر قوة واستقرارًا.

فإذا كانت غايتنا جميعًا هي ليبيا التي يشعر فيها المواطن بالأمان والكرامة والانتماء، فإن البداية تكون من سؤال بسيط:
ماذا يمكن أن نقدم نحن اليوم، حتى تكون دولتنا غدًا كما نريدها؟
———————-
*لقد درستُ "تاريخ الحضارات" منذ عصور ما قبل الميلاد وحتى يومنا هذا، ولم أجد في سيرة التاريخ شعبًا استطاع أن يبني حضاراته بالتأفف. فالحضارات لا تُشيَّد بالإحباط والتذمر، بل بالإرادة والعمل والصبر والعطاء، وإن كل حضارة خلدها لنا التاريخ كانت ثمرة عزيمة أبنائها وتكاتفهم، لأن الشعوب تصنع مجد اختيارها لطريق البناء والسعي بدلًا من استسلامها للشكوى والانتظار.

الجمعة، يوليو 10، 2026

الحل… دستور* ... بقلم/ ليلى أحمد الهوني

الحل… دستور*


بقلم/ ليلى أحمد الهوني



بين جميع المسارات التي جُرّبت أو طُرحت للخروج من الأزمة الليبية، يبقى المسار الأكثر أمانًا واستقرارًا هو بناء دولة تقوم على دستور واضح الهوية؛ دستور يشارك الليبيون جميعًا في صياغته والاتفاق عليه، ليكون أساسًا جامعًا لدولة القانون والمؤسسات.


فالدستور ليس مجرد أوراق أو نصوص قانونية، بل هو "عقد وطني" متين يحدد شكل الدولة، وينظم صلاحيات سلطاتها، ويضع حقوق المواطن الليبي في مقدمة أولوياته، كما يشكل ضمانة أساسية لمنع عودة الاستبداد والفوضى لليبيين من جديد مهما كانت الظروف.

مرة أخرى، إن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى حلول مؤقتة تُرحّل الأزمة من مرحلة إلى أخرى، بل تحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد (بنفس عميق) يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ ويضع أسس الاستقرار الحقيقي فيها. ومن هنا يمكن النظر في مجموعة من الخطوات العملية:

أولًا: إطلاق حوار وطني شامل.


إن أي دستور ناجح لا يمكن أن يُفرض من جهة واحدة مهما كانت قوتها أو نفوذها، كما لا ينبغي أن يُصاغ بعيدًا عن المجتمع الليبي بجميع تنوعاته.

 لذلك فإن الحاجة تقتضي إلى إطلاق حوار وطني حقيقي وشامل لا يُستثنى منه أحد، ويشمل مختلف المناطق والتيارات الاجتماعية والسياسية على حدٍ سواء.


فمن خلال هذا الحوار فقط يمكن أن يشعر المواطن الليبي بأن صوته حاضر، وأن مستقبل بلاده يُصنع بمشاركته لا بعيدًا عنه أو بمعزل عن إرادته.

ثانيًا: تشكيل لجنة دستورية مستقلة.


تحتاج ليبيا إلى لجنة دستورية مستقلة ذات تمثيل واسع من مختلف مكونات الشعب الليبي، تكون مهمتها الأساسية في صياغة مشروع دستور يعكس خصوصية ليبيا وتاريخها وتنوعها الثقافي والاجتماعي، بعيدًا عن جميع المصالح الشخصية والحسابات "التكتلية" ضيقة النطاق.


ويجب أن تكون هذه اللجنة محل ثقة حقيقية لدى الليبيين جميعًا، وأن تعمل بمنتهى النزاهة والشفافية (ملحة الطلب) وأن تستمد شرعيتها من الداخل الليبي ومن إرادة المواطنين أنفسهم.

ثالثًا: بناء دولة مدنية تقوم على تداول السلطة.


لقد أثبتت التجارب السابقة أن تركيز السلطة في يد فرد أو مؤسسة واحدة يعرّض الدولة لخطر الانحراف والمساومات الرخيصة. لذلك فإن أي حل وطني مستدام يجب أن يضمن قيام دولة مدنية تقوم على الفصل الواضح بين السلطات، وعلى تداول السلطة عبر الدستور والانتخابات والمؤسسات.
إن الحديث عن "الدولة المدنية" لا يعني بالضرورة التشكيك في وطنية أفراد المؤسسة العسكرية، بل يعني أن الجيش يجب أن يبقى مؤسسة وطنية مهمتها تكمن في حماية البلاد وحدودها، بعيدًا عن جميع التجاذبات السياسية أو ممارسة الحكم.

رابعًا: رفض أي صيغة حكم لا تقوم على إرادة شعبية واضحة.


لقد عانى الشعب الليبي طويلًا من تجربة الحكم الفردي التي امتدت لعقود، ودفع خلالها أثمانًا باهظة من أجل استعادة حقه في اختيار مستقبله وانتزاع حريته فحقوقهِ.


لذلك فإن أي مشروع سياسي، سواء ارتبط بالماضي أو بالأشخاص أو بالعائلات أو بالرموز التاريخية، يجب أن يخضع أولًا لإرادة الشعب الليبي نفسه، وذلك من خلال وضع دستور واضح واستفتاء حر ونزيه حوله.


فالدول لا تُبنى بالأسماء بل بالمؤسسات القوية والعدالة وسيادة القانون. وكل من يريد خدمة ليبيا الوطن بصدق؛ يجب أن تكون قيمته بما يقدمه لوطنه لا بما يحمله من اسم أو تاريخ أو مكانة أياً كان نوعها.

خامسًا: وضع ضمانات تمنع تكرار أخطاء الماضي.


يجب ألا يكون الدستور القادم مجرد وثيقة سياسية، بل حصنًا يحمي المواطن والدولة، ومن أهم ضماناته:
تحديدٌ واضحٌ لفترات الحكم، مع منعٍ باتٍّ لأي تمديدٍ غير مبرر أو غير محدود.


استقلال القضاء.
حماية الحريات وحقوق الإنسان.
توزيع متوازن للصلاحيات بين مؤسسات الدولة.
وجود آليات قانونية وسلمية لحل الخلافات.

سادسًا: المصالحة الوطنية قبل بناء المستقبل.


لا يمكن لأي دستور أن ينجح في مجتمع ما زال يحمل جراحًا وآلامًا عميقة، دون استحضار مصالحة وطنية حقيقية تقوم على الاعتراف بمعاناة الليبيين وجبر الضرر، وطي كامل لصفحات الماضي وفتح صفحة جديدة، يكون المواطن الليبي هو الهدف الأول والأخير فيها.

إن إنقاذ ليبيا لا يحتاج إلى البحث عن حاكم قوي بقدر ما يحتاج إلى نظام قوي؛ فالأشخاص يتغيرون، أما المؤسسات فهي التي يجب أن تبقى على ما وضعت عليه.


والدستور العادل هو الطريق الذي يجعل الجميع تحت سقف واحد؛ فلا غالب ولا مغلوب، ولا مواطن يشعر بأنه مستبعد داخل وطنه.


قد لا يكون الطريق الدستوري هو الطريق الأسهل، لكنه حتماً يكون هو الطريق الأكثر أمانًا. فالأوطان لا تُنقذ بالقوة المؤقتة ولا بالحنين إلى الماضي، بل باتفاق أبنائها على قواعد عادلة تحكم حاضر بلادهم وتحمي مستقبل أجياله.


أُعيد مرة أخرى التأكيد:


بإن ليبيا اليوم بحاجةٍ ماسّة إلى عقدٍ واعتمادِ (دستورٍ) يجمع الليبيين بكل أطيافهم وثقافاتهم، دون أي تمييز أو تأخير.

 فليبيا لا تحتاج إلى مراحل انتقالية جديدة تُعمّق انقسام أبنائها وتزيد من تفكك دولتها، بل تحتاج إلى وضع دستور راسخٍ يوحّدها ويؤسس لدولة مستقرة يسودها العدل والمواطنة.
——————————
* تُظهر التجربة الدستورية للمملكة المتحدة أن قوة الدستور لا تكمن في كثرة نصوصه، بل في وضوح قواعده واستمرار احترامها. ويُعد الدستور البريطاني دستورًا غير مقنن، يقوم على التشريعات البرلمانية، والأحكام القضائية، والأعراف الدستورية، في إطار مبدأ السيادة البرلمانية والملكية الدستورية.
المراجع:
UK Parliament – The UK Constitution
House of Commons Library – The United Kingdom Constitution: A Mapping Exercise

الثلاثاء، يوليو 07، 2026

لنبدأ من هنا* (2) … بقلم/ ليلى أحمد الهوني .. حول المبادرات المطروحة من قبل المبعوث الأمريكي (مسعد بولس)

لنبدأ من هنا…

 (2)

(حين تُختبر المبادرات بالإرادة الوطنية الليبية)

بقلم/ ليلى أحمد الهوني


في المقالة السابقة، كان الحديث عن مبدأٍ يراه كثير من الليبيين أساسًا لأي تسوية وطنية قابلة للحياة، وهو أن يبدأ الحل من الداخل، وأن تكون الإرادة الليبية هي نقطة الانطلاق، لا النتيجة التي يُنتظر الوصول إليها بعد اكتمال التفاهمات الخارجية.


واليوم، ومع تصاعد الحديث عن التحركات الأمريكية الأخيرة، وما رافقها من لقاءات أجراها مبعوث الإدارة الأمريكية (مسعد بولس) مع عدد من المسؤولين والساسة الليبيين، يعود السؤال ذاته ليطرح نفسه من جديد: هل تمثل هذه التحركات مسارًا مختلفًا عن المبادرات التي سبقتها؟ أم أنها تعيد إنتاج النهج نفسه الذي اختبره الليبيون خلال السنوات لماضية؟


تشير معظم المعطيات المتداولة إلى أن الرؤية الأمريكية المطروحة تقوم على الدفع نحو توحيد المؤسسات الليبية، والسعي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وتعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي، وصولًا - بحسب ما أُعلن - إلى مرحلة الانتخابات.


ومن حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أهمية توحيد مؤسسات الدولة أو إنهاء حالة الانقسام السياسي فيها، فهذه تظل مطالب وطنية طال انتظارها. غير أن جوهر النقاش لا يكمن في عناوين المبادرات، بل في آليات تنفيذها، وترتيب أولوياتها ومدى انسجامها مع الإرادة الوطنية، وقدرتها على معالجة جذور الأزمة الليبية، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.


فقد اعتاد الليبيون خلال السنوات الماضية، على سماع عناوين متشابهة: توحيد المؤسسات، دعم الاستقرار، الدفع نحو الانتخابات، وتعزيز الحوار بين الأطراف. ومع ذلك كله بقيت الأزمة نفسها تتراوح مكانها، بينما تكررت المراحل الانتقالية، واستمر الانقسام، وتأجل الاستحقاق الانتخابي أكثر من مرات عدة.


ومن هنا، فإن تقييم أي مبادرة جديدة لا ينبغي أن يقوم على حسن النوايا المعلنة فقط، وإنما على الأسئلة التي تفرضها التجربة الليبية نفسها!.


أول هذه الأسئلة يتعلق بترتيب الأولويات:
فهل يؤدي تأجيل الانتخابات إلى ما بعد سلسلة طويلة من إجراءات توحيد المؤسسات إلى تقريب الحل؟

 أم أنه قد يطيل المرحلة الانتقالية مرة أخرى؟.


إن هذا التساؤل لا ينبع من رفض توحيد المؤسسات؛ بل من تجربة سابقة شهدت تأجيل الاستحقاقات الوطنية أكثر من مرة تحت عناوين مختلفة، دون أن يتحقق الاستقرار المنشود للمواطن.


ويبرز كذلك سؤال آخر لا يقل أهمية؛ يتعلق بمدى شمولية أي مبادرة تُطرح لمعالجة الأزمة الليبية.

 فالدولة الليبية لا تختزل في شرقها أو غربها، وإنما تقوم على أقاليمها كافة، وفي مقدمتها الجنوب الليبي، الذي يمثل جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني، ويتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية وأمنية، لا يمكن تجاوزها عند البحث عن أي تسوية وطنية شاملة.


إن أي مقاربة لا تمنح جميع مكونات الوطن المساحة نفسها في الحوار وصناعة القرار، قد تواجه تحديات حقيقية في بناء الثقة التي تحتاج إليها أي عملية سياسية، لأن الشعور بالشراكة الوطنية لا يقل أهمية عن الاتفاقات السياسية ذاتها.


ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال المصالح الدولية المرتبطة بالملف الليبي، فليبيا تمثل موقعًا استراتيجيًا مهمًا، كما تمتلك موارد طاقة تجعلها محل اهتمام العديد من القوى الدولية. وليس من المستغرب أن تسعى الدول إلى حماية مصالحها فيها، فهذا جزء من طبيعة العلاقات الدولية.


 لكن في المقابل يبقى من حق الليبيين أن يتساءلوا: إلى أي مدى تتقاطع هذه المصالح مع أولويات المواطن الليبي، الذي ينتظر منذ سنوات دولة مستقرة، ومؤسسات موحدة، ودستور متفق عليه من قبل الشعب الليبي، وانتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة؟


ولعل ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مجرد مبادرة جديدة، بقدر ما تحتاج إلى بيئة سياسية تبني الثقة بين الليبيين أنفسهم. فالثقة هي الحلقة التي ما زالت غائبة في معظم المسارات السابقة، وهي التي تجعل أي اتفاق قابلًا للاستمرار، أو معرضًا للتعثر بعد فترة قصيرة من توقيعه.


لقد أثبتت التجارب أن الوسيط الدولي يستطيع أن يقرب وجهات النظر، وأن يهيئ مساحة للحوار لكنه لا يستطيع أن يصنع الإرادة الوطنية، ولا أن يفرض على شعبٍ ما شعورًا بالاقتناع بحل لم يكن شريكًا حقيقيًا في صياغته.



ومن هنا، فإن نجاح أي تحرك دولي لا يقاس بعدد الاجتماعات التي تُعقد، ولا بحجم الدعم السياسي الذي تحظى به المبادرة، وإنما بمدى احترامها للقرار الليبي، وإفساحها المجال أمام الليبيين؛ ليكونوا أصحاب الكلمة الأولى في رسم مستقبل وطنهم.


إن ليبيا لا تعاني من نقص في المبادرات، بقدر ما تعاني من حاجة ملحة إلى مشروع وطني جامع، يضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الضيقة، ويؤسس لمؤسسات قوية، وسيادة قانون، وقاعدة دستورية واضحة، تقود إلى انتخابات حرة ونزيهة، يكون الاحتكام فيها إلى إرادة الشعب الليبي وحده.


ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي أفرزته السنوات الماضية؛ فالدول لا تُبنى بتعدد المبادرات، وإنما تُبنى عندما تتحول الإرادة الوطنية إلى المرجعية التي تنطلق منها جميع الحلول، لا إلى نتيجة مؤجلة في نهايتها.


فحين تُختبر المبادرات بالإرادة الليبية، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من يقود المبادرة؟ وإنما: هل تقترب هذه المبادرة من تطلعات الليبيين، أم تبتعد عنها؟


وعندما تكون الإجابة صادقة عن هذا السؤال، يصبح الطريق إلى الدولة أكثر وضوحًا، ويغدو الأمل في استعادة ليبيا لعافيتها أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.


ولنا عودة…


الخميس، يوليو 02، 2026

لنبدأ من هنا* (1) … بقلم/ ليلى أحمد الهوني .. حول المبادرات المطروحة من قبل (مسعد بولس)

لنبدأ من هنا*

 (1)


(الإرادة الليبية أولًا)


بقلم/ ليلى أحمد الهوني


منذ عام 2011، أصبحت ليبيا ساحةً لمبادرات دولية وإقليمية متلاحقة، حمل بعضها شعارات دعم الاستقرار، وروِّج لبعضها باعتباره الطريق الأقرب لإنهاء الانقسام السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية. ومع مرور السنوات، لم تعد هذه المبادرات تُستقبل بالحماس ذاته الذي حظيت به في بداياتها، بل بدأ يتشكل لدى كثير من الليبيين شعور متزايد بالحذر، بل وحتى الشك في الكثير من الأحيان تجاه أي مبادرة تأتي من خارج حدود الوطن، مهما كانت الجهة التي ترعاها أو الأهداف التي تُعلن عنها ولاجلها.

ولعل هذا الشعور لا يعود إلى رفض التعاون مع المجتمع الدولي بمعناه السياسي، ولا إلى معاداة أي دولة بعينها، وإنما إلى تجربة طويلة عاشها الليبيون بكل تفاصيلها.

فقد شهدت البلاد تدخلات سياسية وعسكرية ودبلوماسية متعددة، وتعاقبت مبادرات واجتماعات واتفاقات حظيت باهتمام دولي واسع، لكنها لم تنجح حتى اليوم في تحقيق ما كان ينتظره المواطن الليبي: استقرارًا دائمًا، أو مؤسسات موحدة، أو دستورًا يضع الأسس الراسخة لبناء الدولة، أو انتخابات رئاسية تنهي حالة الانقسام التي امتدت لسنوات.

ولهذا، أصبحت كلمة "مبادرة" في حد ذاتها تحمل لدى كثير من المواطنين معنى مختلفًا عما كانت تحمله في السابق. فبدلًا من أن ترتبط بالأمل في الوصول إلى حلول حقيقية، باتت تستحضر في أذهانهم سنوات طويلة من الانتظار، والوعود المؤجلة، والنتائج التي لم ترتقِ إلى مستوى تطلعاتهم.

ومع كل إعلان عن اية مبادرة جديدة، يتجدد السؤال نفسه لدى الشعب الليبي: لماذا لم تنجح المبادرات التي سبقتها؟ وما الذي يجعل المبادرة الجديدة هي الأكثر قدرة على تحقيق ما عجزت عنه المبادرات السابقة؟ فضلًا عما يراه المواطن من استخفاف بمعاناته، وكأن الزمن وحده أصبح هو البديل عن الحلول.

ومن هنا، ينظر كثير من الليبيين إلى أي تحرك خارجي، سواء كان أمريكيًا أو أوروبيًا أو أمميًا أو إقليميًا، يرونه فقط من خلال عدسة التجربة التي عاشوها. فقد أصبحت الثقة، في نظرهم لا تلك التي تُبنى على التصريحات، ولا على حسن النوايا، ولا على كثرة المبادرات نفسها، وإنما على النتائج الملموسة التي تنعكس على حياة المواطن اليومية، وعلى حلول حقيقية تُنهي الأزمات بدلًا من إطالة أمدها وإثقال كاهل الشعب بها.

وفي المقابل، يزداد اقتناع شريحة واسعة من أبناء الوطن بأن الحل الحقيقي لا بد أن يبدأ من الداخل؛ لأن الليبيين، مهما اختلفت آراؤهم، هم الأعرف بتركيبة مجتمعهم، والأقدر على فهم تعقيدات واقعهم، والأحرص على مستقبل وطنهم. كما يدركون أن أي تسوية لا تنطلق من توافق وطني حقيقي ستظل عرضة للتعثر ويليه الفشل، مهما حظيت هذه المبادرات من دعم إقليمي أو دولي.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى الانعزال عن العالم أو رفض التعاون مع الدول والمنظمات الدولية؛ فالتعاون بين الدول ركيزة أساسية في العلاقات الدولية، والاستفادة من الخبرات والوساطات الخارجية أمر مشروع ومطلوب. غير أن كثيراً من الليبيين يرون أن هذا الدور يجب أن يبقى في إطار الدعم والمساندة، لا أن يتحول إلى بديل عن الإرادة الوطنية أو إلى مصدر لصناعة القرار الليبي من خارج حدوده.

إن ليبيا ليست دولة فقيرة برجالها ولا بكفاءاتها، بل تزخر بقامات قانونية وسياسية واقتصادية وأمنية وأكاديمية تمتلك من الخبرات والمعرفة ما يؤهلها للإسهام في بناء مشروعها الوطني الجامع، متى توافرت بيئة آمنة وصادقة للحوار، بعيدًا عن صراعات السلطة وتضارب المصالح. كما ان المجتمع الليبي يضم شخصيات وطنية واجتماعية تحظى باحترام واسع، ويمكنها أن تؤدي دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر وتعزيز الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

إن كل ما يطمح إليه كثير من الليبيين اليوم ليس إغلاق الأبواب أمام العالم، ولا رفض أي مساعدة خارجية تسهم في دعم المواطن الليبي وتمهد الطريق نحو مستقبل أفضل، وإنما استعادة زمام المبادرة الوطنية، بحيث يكون القرار الليبي نابعًا من الداخل من الليبيين أنفسهم، وتكون أي مساهمة دولية من اي جهة كانت هي فقط عامل دعم لهذا القرار الحر، لا بديلًا عنه.

فالتجارب حول العالم أثبتت أن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض من خارج الأوطان، وإنما يُبنى بإرادة الشعوب نفسها. وعندها فقط يترسخ ويشعر المواطن بأنه هو الأساس الحقيقي في صناعة مستقبل وطنه.

فالوسيط، مهما بلغت خبرته وحسنت نواياه، قد ينجح في تقريب وجهات النظر، لكنه لا يستطيع أن يصنع الإرادة الوطنية، ولا أن يمنح أي شعب شعورًا بالانتماء إلى حل لم يكن شريكًا هو في صياغته.

ولهذا، فإن أي مبادرة، مهما كان مصدرها أو حسنت نوايا أصحابها، تظل فرص نجاحها مرتبطة أولًا بمدى احترامها للإرادة الليبية، واستماعها إلى صوت الليبيين، وانطلاقها من أولوياتهم هم، لا من حسابات الآخرين.

وفي نهاية المطاف، يبقى مستقبل ليبيا مسؤولية أبنائها أولًا وأخيرًا. وقد تختلف الرؤى حول الطريق الأمثل للوصول إلى الدولة المنشودة، لكن القاسم المشترك بين كثير من الليبيين يظل التطلع إلى وطن قوي بمؤسساته، مستقل بقراره، يستمد شرعيته من إرادة شعبه، ويصنع مستقبله بسواعد أبنائه.

وربما أصبحت ليبيا اليوم، بعد كل ما مرت به من "مبادرات" لم تحقق ما كان ينتظره شعبها، لا تبحث عن مبادرة خارجية جديدة بقدر ما تبحث عن فرصة حقيقية تنبع من الداخل، يقودها الليبيون أنفسهم، وتضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
إذًا، فلنبدأ من هنا .…


ولنا عودة أخرى حول هذا الشأن.
ــــــــــــــــــــــ
* كتبت هذه المقالة على خلفية الحديث المتداول بشأن آخر المبادرات المطروحة من قبل (مسعد بولس) مبعوث الإدارة الأمريكية.