مر على تحرير ليبيا من المردوم معمر القذافي

الثلاثاء، يونيو 30، 2026

ما قبل المولات! .. بقلم/ ليلى أحمد الهوني

  ما قبل المولات!


تَشْيَّد المولات فوق أنقاض وطن)


بقلم/ ليلى أحمد الهوني

ليست الدول أبراجًا من كريستال زمردية، ولا هي مراكز تسوق فسيفسائية عاجية، وليست تلك الأضواء التي تزين واجهات المولات البراقة والمضيئة، ولا القصور المتراصة السرمدية، كي تصبح لنا وفي أعيننا، دليلًا واقعيًا على ازدهار الأوطان بين ليلة وضحاها دولًا نموذجية.

فالدول الحقيقية تبدأ من مكان آخر؛ تبدأ بوضع (دستوراً) وهو الأساس لبناء الدول ثم تأتي بعده الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تمهد إلى طرق آمنة، ومستشفيات قادرة على إنقاذ حياة المواطن الإنسان، ومدارس تحفظ كرامة العلم والتعليم، وشبكات مياه وكهرباء تليق بإنسان يريد أن يعيش، لا أن ينجو يومًا بعد يوم مما كان يعيشه!

في ليبيا اليوم، وبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسامات المناطقية والإقليمية، والتناحرات والمفاخرات الاجتماعية التي خلفتها حقبة القذافي وما تلاها من انتفاضات شعبية؛ يبدو لي أن الأولويات قد اختلطت، كما اختلطت المفاهيم التي كان يجب أن تكون واضحة من الأساس، فلم تعد الصورة جلية كما ينبغي، ولا العلاقات الاجتماعية بقيت بسيطة كما كانت يتسم بها الشعب الليبي خاصة.

فما زالت مدن ليبية كثيرة تحمل آثار الدمار التي تلت أحداث "فبراير" المميزة والأسطورية، كما وما زالت البنية التحتية في ليبيا التي حطمتها الحروب والأزمات، تنتظر من يمد إليها يد البناء والنمو والعون، بينما نرى أن الأنظار باتت تتجه إلى أمور أخرى لم يحن وقتها بعد! أمور اذا قامت بها دول كبرى عاشت عصورًا متتالية من التقدم والازدهار والرخاء لوجدنا لها الأعذار؛ لا لشيء سوى لأنها فعلا هي دول حقيقية، لا بقايا حروب وتنازعات مجموعات عسكرية ميليشياوية.

ليبيا اليوم تتجه نحو بناء مشاريع استهلاكية لا تعود على الوطن والمواطن بأي جدوى اقتصادية حقيقية، مشاريع "مول ينطح مول" لا تمثل حلًا لأزمات المواطن البسيط، بل قد تزيد من شعوره بالغربة حتى وهو داخل وطنه. والأسوأ من ذلك ان من هم على رأس السلطة قد ركزوا على ما يقال إنه "مهم" وتناسوا بالكامل الأهم!.

ليس المقصود هنا التقليل من أهمية الاستثمار أو التنمية الاقتصادية في ليبيا، فكل مشروع قد يخلق عدد كبير من فرص العمل وهذا أمر محمود في أصله، ولكن الأسئلة التي تفرض نفسها هي:

هل يمكن لبلد مثل ليبيا أن يتحدث عن التنمية بينما مواطنوها ما زالوا يعانون من انقطاع الخدمات الأساسية؟
هل يُعد افتتاح المولات التجارية إنجازًا ضخمًا، حتى وإن شكك المواطن نفسه في من يقف وراءها؟
هل بناء أكبر المولات في مناطق بسيطة أمر صحيح، بينما الطرق متهالكة حتى أرهقت السيارات التي ستقود إلى تلك المولات؟
هل من المنطقي بناء مولات فخمة (إهدار للمال العام) بينما المستشفيات عاجزة عن علاج المواطن الذي هو نفسه “الزبون” المنتظر؟
هل من سيذهب للتنزه في المولات لا يعاني من انقطاع الكهرباء والمياه؟ وكيف سيشتري أساسياته إذا لم تتوفر له أبسط مقومات الحياة؟

أليست كل ما ذكرته حقوقًا أساسية مكفولة لهذا المواطن الإنسان؟
كما يجب هنا ان لا يفوتني التذكير بالأوضاع المعيشية الصعبة التي تجعل من فتح مراكز تجارية فاخرة أمرًا لا يتناسب مع قدرات المواطن المادية.

لقد دفع المواطن الليبي ثمن صراعات سياسية لم تنتهِ بعد، وحكومات متعاقبة لا يكمل بعضها ما بدأه الآخر، بل صار يبدأ كل طرف من حيث تبدأ مصالحه وامتلاء جيوبه لا من حيث تبدأ مصلحة الوطن والمواطن.

وبين كل هذا وذاك، يبقى ذلك المواطن الليبي البسيط هو الخاسر الأكبر، إذ يزداد فقرًا، وتتراجع ثقته في مؤسسات بلده، ويصبح الوطن فقط ساحة للتنافس على السلطة والمال، بدل من أن يكون بيتًا يحتوي ويضم الجميع.

وربما كانت القضية الأعمق هي مفهوم الحرية نفسه.
الكثيرون يعتقدون أن الحرية قد اكتملت بمجرد القدرة على الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو الوصول إلى الإنترنت دون قيود. والاعتراضات عبر كتابة المنشورات أو حتى المقالات ، لكن الحرية ليست مجرد مساحة للكلام والكتابة فقط بل هي منظومة متكاملة، فما قيمة حرية التعبير إذا كان الإنسان لا يجد تعليمًا جيدًا، أو علاجًا صحّيا كريمًا أو فرصة عمل تحفظ له كرامته وقيمته حتى بين أسرته؟

وما قيمة أن يكتب المواطن رأيه بحرية تامة وهو يخشى المرض إثر إصابته بنوبة غضب في أي لحظة، ولا يجد مستشفى يعالجه؟ أو أن ينقطع رزقه بسبب اقتصاد عاجز عن توفير أبسط مقومات الحياة، حتى وإن ملأ بيته وشوارع مدينته بالمنشورات والكتابات؟

الحرية لا تنفصل عن العدالة ولا عن الدستور والقانون، ذلك الدستور هل تتذكرونه؟ ام انه صار في طي النسيان؟ ولا عن التنمية ولا عن كرامة الإنسان. الحرية الحقيقية تعني أن يشعر المواطن بأن الدولة موجودة من أجله، تحميه وتوفر له الخدمات، وتساوي بين أبنائها، وتمنحه فرصة العيش بكرامة.

وفي المقابل اثناء بناء الدولة وهذه النقطة بالتحديد هي أهم من كل شيء وأي شيء؛ وهي بانه لا يمكن أن تقوم دولة قوية إذا اكتفى المواطن بالمطالبة بحقوقه باستمرار، وتجاهل واجباته تجاه دولته بالكامل. فالمواطنة ليست علاقة من طرف واحد بل هي عقد أخلاقي بين الفرد ووطنه.

فاحترام الدستور والقانون - إذا وجدا - والمحافظة على الممتلكات العامة، والمشاركة في بناء المجتمع، ورفض الفساد، ونبذ خطاب الكراهية، والوقوف تماما عن التمييز العنصري والجهوي المقيت، كل هذه الأشياء هي الواجبات التي لا تقل أهمية عن المطالبة الملحة بالحقوق.

لقد آن الأوان لأن ندرك أن بناء الأوطان لا يقاس بعدد المولات ولا بالمباني الحديثة، بل بقدرة الدولة على بناء الإنسان البشر قبل الإسمنت والحجر. فالدول التي تسعى للنهوض لا يمكنها إطلاقاً ان تنهض بالواجهات، بل تنهض وتتسارع في خُطى التقدم وذلك يحدث بوجود وتوفير المؤسسات القوية: التعليم، الصحة، العدالة، والاقتصاد المنتج .. إلخ.

إن ليبيا اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من المظاهر التي توحي بالتقدم بل إلى التقدم الحقيقي نفسه، تقدم يلتمسه المواطن في حياته اليومية. يكون فيها المسؤول خادمًا للشعب لا سيدًا عليه، وخطط وطنية تتجاوز الانقسامات وتضع الإنسان في مقدمة الأولويات.

فالوطن الذي تُبنى فيه المراكز التجارية قبل أن تُرمم فيه المدارس والمستشفيات، يشبه بيتًا نُزيّن واجهته بينما تتآكل أساساته الهشة بصمت لدرجة الانهيار.

ولعل أعظم ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مولًا هنا أو هناك، بل رؤية جديدة تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الوطن لا يُقاس بما يملكه من مبانٍ، بل بما يملكه من كرامة وعدالة وأمل في مستقبل أفضل. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

lailaelhoni_68@yahoo.com, blaila89@hotmail.co.uk