مر على تحرير ليبيا من المردوم معمر القذافي

الاثنين، يوليو 13، 2026

لا للتأفف* بقلم/ ليلى أحمد الهوني

لا للتأفف*

بقلم/ ليلى أحمد الهوني

(من الشكوى إلى صناعة البديل)


كثيرًا ما نسمع في الشأن الليبي اليوم أصواتًا تعبر عن الاستياء والتأفف من الواقع السياسي، وعن حالة الإحباط التي أصابت المواطن نتيجة تعاقب الأزمات، وضعف الثقة في قدرة المؤسسات القائمة؛ على الوصول بالبلاد إلى مرحلة الاستقرار الذي ينشده كل مواطن.

ولكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه جميعًا هو: هل يكفي أن نبقى مكتوفي الأيدي وفي دائرة الشكوى والتأفف؟ أم أن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة الاعتراض على الواقع إلى مرحلة المشاركة في صناعة القرار، والمساهمة في وضع البدائل الأكثر مرونة وقدرة على خدمة الوطن والمواطن؟

إن تجارب الدول التي استطاعت بناء مؤسسات قوية ومستقرة لها، لم تعتمد على رفض الواقع فقط بل اعتمدت على وجود أفكار منظمة لدولتها، ومشاريع سياسية واضحة المعالم، وآليات واقعية تسمح بالرقابة الحقيقية، وبوجود بدائل جاهزة لخدمة الوطن متى احتاج إليها.

ومن النماذج السياسية التي تستحق التأمل تجربة "حكومة الظل" وهي تجربة معروفة في عدد من الأنظمة الديمقراطية الحديثة، ومن أبرز صورها ما هو قائم في المملكة المتحدة؛ حيث تقوم المعارضة الرسمية، بتشكيل فريق سياسي يتابع أداء الحكومة القائمة، ويناقش سياساتها ويقدم رؤى وبرامج بديلة لها إذا دعت الضرورة، بحيث يكون هناك دائمًا فريق مستعد لتحمل المسؤولية السياسية؛ في حال تغيرت الظروف أو احتاجت الدولة إلى مسار جديد لها.

إن "حكومة الظل" ليست حكومة موازية تنازع الدولة سلطتها، وليست وسيلة لإرباك المؤسسات أو لتعطيل عملها، بل هي آلية سياسية هدفها الأساسي هو إعداد البديل، وممارسة الرقابة الدائمة والمسؤولة، ودفع الحكومة القائمة إلى تحسين أدائها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال وجود طرف يقدم رؤى مختلفة وحلولًا قابلة للنقاش.

وفي الحالة الليبية، قد لا يكون المطلوب نقل هذه التجربة كما هي، فلكل دولة ظروفها وخصوصيتها في جميع المجالات، ولكن يمكننا فقط الاستفادة من جوهرها ومغزاها الحقيقي: وهو ضرورة وجود إطار وطني من شخصيات ليبية مستقلة، أو كفاءات سياسية ومجتمعية عالية المكانة، أو تكتلات تحمل مشروعًا وطنيًا واضحًا تكون مهمتها دراسة الملفات الوطنية، ومتابعة الأداء العام وتقديم المقترحات العملية، والعمل على بناء رؤية متكاملة للدولة التي يريدها الليبيون؛ باعتبارها حقًا مشروعًا لكل مواطن فيها.

فالقضية ليست في تغيير الأشخاص فقط، وإنما في تغيير طريقة التفكير في العمل السياسي. لقد أثبتت التجارب التقدمية أن العمل السياسي لا يمكن أن يعتمد على الأفراد مهما كانت قدراتهم؛ فالشخصية السياسية تحتاج إلى مؤسسة، والبرنامج يحتاج إلى فريق، والفكرة تحتاج إلى حاضنة شعبية تدعمها وتراقب أداءها.

وقد رأينا في الواقع الليبي أن بعض الشخصيات حاولت تقديم نفسها كبديل سياسي أو كمسار إصلاحي، لكنها اصطدمت بغياب البيئة المؤسسية التي تمنح مثل هذه المبادرات القدرة على الاستمرار والتوسع. فالمشكلة ليست دائمًا في الأشخاص فقط، بل أيضًا في غياب الآليات التي تجعل العمل السياسي قائمًا على المؤسسات والبرامج، لا على ردود الأفعال والانتقادات فقط.

إن بناء الدولة لا يبدأ عند الوصول إلى السلطة، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ بإعداد الكفاءات، ووضع البرامج المدروسة، والاستماع إلى المواطنين، وتقديم نموذج جديد في العمل العام، وكل ذلك يجب ان يقوم على الشفافية والمسؤولية واحترام القانون.

ولعل أهم درس يمكن أن نستفيده من تجارب الدول المستقرة ليس أسماء أحزابها ولا شكل حكوماتها، وإنما ثقافة العمل التي قامت ومازالت تقوم عليها. فالدول لا تصل إلى ما هي عليه بين ليلة وضحاها بل تبنى عندما يؤمن أبناؤها بأن لهم دورًا في صناعة مستقبلها، وأن خدمة الوطن لا تبدأ فقط عند امتلاك السلطة، بل تبدأ منذ لحظة امتلاكهم الفكرة والاستعداد لتحمل المسؤولية كل المسؤولية.

فلم تنتظر الشعوب الناجحة تغير الظروف حتى تبدأ العمل، بل عملت على إعداد نفسها لتكون جزءًا من صناعة تلك الظروف. ولم تكتفِ بانتقاد الواقع، بل قدمت البدائل، وطورت البرامج، وبنت المؤسسات التي جعلت التغيير ممكنًا ومستدامًا.

إن الشعب الذي لا يرضى عن واقعه لا ينبغي أن يبقى أسير التأفف المستمر، بل عليه أن يحول حالة عدم الرضا إلى طاقة إيجابية، طاقة تدفعه للمشاركة في صناعة مستقبل أفضل لنفسه ولوطنه.
فالتغيير الحقيقي لا يأتي دائمًا بسقوط مرحلة حكومية ما، بل بقيام بديل أكثر تنظيماً التي على رأس الدولة، وأن تكون أكثر قدرة على خدمة الوطن والمواطن.

قد لا نستطيع أن نغير واقعًا تراكم عبر سنوات في يوم واحد، لكننا نستطيع أن نغير طريقة تعاملنا معه ابتداءً من اليوم. فكل دولة مستقرة كانت يومًا ما فكرة في عقول أناس، أناس آمنوا إيماناً مطلقاً بأن الأوطان تُبنى بالإرادة والعمل لا بالانتظار والتأفف.

لذلك فإن الرسالة التي نحتاج جميعًا إلى ترسيخها اليوم هي:
لا للتأفف… نعم للمبادرة.
لا للاكتفاء بالنقد… نعم لصناعة البديل.
لا لانتظار الحلول… نعم للمشاركة في بناء الدولة الليبية على أسس أكثر قوة واستقرارًا.

فإذا كانت غايتنا جميعًا هي ليبيا التي يشعر فيها المواطن بالأمان والكرامة والانتماء، فإن البداية تكون من سؤال بسيط:
ماذا يمكن أن نقدم نحن اليوم، حتى تكون دولتنا غدًا كما نريدها؟
———————-
*لقد درستُ "تاريخ الحضارات" منذ عصور ما قبل الميلاد وحتى يومنا هذا، ولم أجد في سيرة التاريخ شعبًا استطاع أن يبني حضاراته بالتأفف. فالحضارات لا تُشيَّد بالإحباط والتذمر، بل بالإرادة والعمل والصبر والعطاء، وإن كل حضارة خلدها لنا التاريخ كانت ثمرة عزيمة أبنائها وتكاتفهم، لأن الشعوب تصنع مجد اختيارها لطريق البناء والسعي بدلًا من استسلامها للشكوى والانتظار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

lailaelhoni_68@yahoo.com, blaila89@hotmail.co.uk