مصلحة ليبيا أولًا*
بقلم/ ليلى أحمد الهوني
منذ سنوات طويلة وأنا أحاول عبر مقالاتي المتنوعة أن أكتب عن وجعٍ لا يفارقني، وجع وطن اسمه ليبيا. وطنٌ أحببناه، وعشنا تفاصيله، وحملنا همّه، وما زلنا نؤمن رغم كل ما مرّ به، بأن له من القدرة على النهوض؛ ما يجعله يومًا في المكانة التي يستحقها.
لم تكن الأزمة الليبية وليدة لحظة عابرة، ولم تبدأ من يوم واحد أو حدث واحد، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة أثقلت كاهل المواطن الليبي، وأوصلته إلى مرحلة شعر فيها بأن التغيير أصبح ضرورة لا مفر منها، فخرج أبناء ليبيا في مدنها وقراها يحملون آمالًا كبيرة نحو مستقبل أفضل.
ولكن بناء الأوطان لا يتم بين ليلة وضحاها، ولا يكفي فيه سقوط مرحلة أو تغيير نظام حتى تتحقق الأحلام. فالأوطان التي خرجت من أزمات عميقة احتاجت إلى سنوات طويلة، وربما عقودًا، حتى استعادت توازنها وبنت مؤسساتها وترسخت فيها ثقافة الدولة والقانون.
ومن هنا كان علينا أن ندرك أن الطريق أمام ليبيا لم يكن قصيرًا، وأن رحلة البناء تحتاج إلى صبر، ووعي، وإرادة حقيقية من الجميع.
لقد تحدثت في مقالات سابقة عن أن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة لا يمكن أن تكون طريقًا آمنًا لبناء وطن مستقر. فحين تتحول الخلافات السياسية إلى صراع مسلح، فإن الوطن كله يدفع الثمن، وتصبح معالجة آثار الانقسام أصعب بكثير من معالجة أسباب الخلاف فيه.
ولعل من أكثر ما يؤلم القلب أن نرى اليوم آثار سنوات طويلة من تراجع التعليم والوعي العام، حيث تركت بعض المراحل السابقة مجتمعنا يعاني من ضعف في الثقافة السياسية والاجتماعية، وأصبحنا نرى نتائج ذلك في صورة أزمات متكررة، وانقسامات، وفقدان الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
ومن المؤلم أيضًا أن نرى بعض أبناء الشعب الليبي يستحضرون الماضي بحسرة (العشرة فرادي بربع)** متناسين أن الشعوب لا تُقاس فقط بلحظة من الاستقرار أو بعض تفاصيل الحياة اليومية، بل تُقاس أيضًا بما فقدته من حقوق وكرامة وفرص في بناء مستقبل أفضل لها وللأجيال من بعدها.
إن الحنين إلى الماضي مفهوم عندما يكون الإنسان متعبًا من واقعه الذي يعيشه في حاضره، لكنه لا ينبغي أن يمنعنا من رؤية الصورة كاملة، ولا أن يجعلنا ننسى أن الشعوب لا تتقدم بالعودة إلى الوراء، بل بالتعلم من تجاربها وبناء مستقبلها.
لقد مرّ على ليبيا خلال السنوات الماضية عدد من المراحل الانتقالية والحكومات، وكان المواطن في كل مرة ينتظر أن تأتي له الحلول من الأعلى، ثم يكتشف أن تغيير الأسماء وحده لا يكفي، وأن الدولة لا تُبنى بمجرد تشكيل حكومة جديدة أو انتخاب مسؤول جديد.
فالمشكلة أعمق من الأشخاص، والحل أكبر من الأشخاص، وأكبر من الحكومات مهما اختلفت أشكالها.
ولعل من أكثر الملفات التي كشفت حجم الأزمة الليبية ملف الخدمات الأساسية، ومنها "أزمة الكهرباء" التي أصبحت مثالًا على تعقيد المشاكل حين تغيب الإدارة الرشيدة والتخطيط المستمر.
ولكن وسط كل هذا الألم، يجب ألا نفقد الإيمان بأن ليبيا قادرة على النهوض والاستقرار وأيضاً التقدم بمعناه الحقيقي.
فالأوطان لا تموت ما دام فيها أبناء يؤمنون بها، ويكتبون عنها، ويعملون ليل نهار من أجلها، ويرفضون أن يكون اليأس هو النهاية.
وقد يظن البعض أن من يعيش خارج الوطن لا يحق له الحديث عن معاناته، وهذا تصور غير منصف. فحب الوطن لا يُقاس فقط بمكان الإقامة، بل بما يحمله الإنسان في قلبه من انتماء وحرص ودعاء وعمل.
قد يعيش الإنسان بعيدًا عن أرضه، لكنه يحمل وطنه دائماً في وجدانه كل يوم.
كما أن نجاح أي دولة لا يأتي من الحظ، بل من منظومة كاملة من العمل والقانون والمسؤولية والمحاسبة. والدول التي استطاعت بناء مؤسسات قوية لم تصل إلى ذلك بين يوم وليلة، وإنما عبر أجيال عملت وصبرت وطورت من نفسها.
وهنا لا نذكر تجارب الآخرين للمقارنة أو التقليل من شعب وطننا ودولتنا، بل لنفهم أن بناء الدول نفسها يحتاج إلى جهد طويل، وأن ما نراه من استقرار في بعض الدول هو نتيجة تراكم عمل شعوب كاملة عبر سنوات طويلة لا تقاس.
يا أبناء وطني ليبيا…
إن انتظار رئيس قادم أو حكومة جديدة فقط؛ لن يصنع الوطن الذي نحلم به جميعنا.
فالقيادات تتغير باستمرار، وأيضًا الحكومات تأتي وتذهب، أما الوطن هو من سيبقى.
ليبيا ليست مسؤولية شخص واحد، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي أمانة في عنق كل مواطن ليبي.
تبدأ نهضة الوطن من الإنسان نفسه: من صدقه في عمله، ومن احترامه لقانون عمله، ومن حفاظه على المال العام، ومن رفضه للفساد، ومن قدرته على تقديم مصلحة ليبيا على أي مصلحة أخرى.
فالشعب ليس خارج الدولة، بل هو الدولة نفسها. وإذا أردنا وطنًا أفضل، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير.
نسأل الله أن يحفظ ليبيا وأهلها، وأن يجمع قلوب أبنائها على الخير، وأن يجعل القادم أفضل، وأن يكتب لوطننا الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار.
فمصلحة ليبيا ليست شعارًا يُرفع، ولا أمنية ننتظر أن يحققها لنا الآخرون، بل هي مسؤولية يحملها كل من قال يومًا: هذه ليبيا… هذه بلادي. فالوطن الذي ننتظر أن يبنيه غيرنا قد يطول انتظارنا له، أما الوطن الذي نشارك جميعًا في بنائه، فهو الوطن الذي سيبقى لنا ولأبنائنا من بعدنا.
——————
* هذه رسالة لكل من ينتظر من أبناء وطننا ليبيا ذلك "الفارس" الذي يمتطي جواده الأبيض لإنقاذ ليبيا، متناسين تماما بان سبب البلاء الذي فيه ليبيا اليوم، هو ناجم عن سلوك التغيير المستمر للحكومات والمسؤولين، منذ اندلاع السابع عشر من فبراير حتى يومنا هذا.
**هذه الجملة هي كلمات ليبية المقصود منها 10 رغيف خبز بربع دينار اي 25 قرش.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
lailaelhoni_68@yahoo.com, blaila89@hotmail.co.uk