مر على تحرير ليبيا من المردوم معمر القذافي

الثلاثاء، يونيو 30، 2026

عندما تُسيَّس الفيفا ... بقلم/ ليلى أحمد الهوني



عندما تُسيَّس الفيفا

(من شغف الشعوب إلى لعبة المصالح)


بقلم/ ليلى أحمد الهوني

في عالمٍ تتسارع فيه الانقسامات وتتزايد فيه المسافات بين الشعوب، بقيت كرة القدم منذ سنوات طويلة هي المساحة الوحيدة التي تجمع ولا تفرّق.
ملعبٌ أخضر، كرة تتنقل بين اقدام لاعبين محترفين، وعدداً من جماهير مع اختلافات وجهات النظر وثقافات متعددة المستويات، لكنها جميعها تلتقي على دقائق واحدة ووقت واحد مليء بالشعور والمشاعر الجياشة المشتركة في نقطة ألا وهي (حب كرة القدم) دون اية أسئلة عن الهوية أو عن الانتماء!.

في تلك الدقائق تحديدًا، كان العالم يبدو أكثر إنصافًا وبساطة وإنسانية وأكثر حب وحيوية من على أي ساحةٍ أخرى. لكن هذا المشهد الذي شكّل ذاكرة أجيال؛ لم يعد حاضرًا معنا اليوم بالصفاء نفسه الذي اعتدناه.

شيئًا فشيئًا، تسللت السياسة إلى كرة القدم، لا كاقتحام صاخب، بل كفرض حضورٍ هادئ ومتدرّج يمشي بتطفل؛ تجاه كرة القدم خشية مما قد يفعله بها، حتى أصبحت جزءًا غير مباشر في اتخاذ بعض من القرارات الحاسمة، ومن طريقة جديدة خبيثة لإدارة اللعبة، بل ومن برمجة سياقها العام في معظم الأحيان.

ورغم أن توسع كأس العالم في الفترة الأخيرة عبر عدداً من الدول، يُقدَّم بوصفه خطوة نحو الانفتاح والتنوع والتقارب الثقافي والحضاري، ويحطم تلك المسافات نحو مزيدا من الصفاء والرقي. إلا أن هذه الصورة المضيئة لا تلغي حقيقة أن اللعبة في حد ذاتها مؤخرًا؛ باتت محاطة بتشابكات أوسع، تتداخل فيها الرياضة مع النفوذ والمصالح السياسية.

لقد أصبحت (FIFA) اليوم جزءًا من منظومة دولية ذات تركيبة معقدة، تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية مع ازدياد قيمة الحدث عالميًا، تتزايد محاولات التأثير عليه بشكل مباشر أو غير مباشر.

وهنا تحديدا يبرز السؤال الأهم: هل ما زالت تلك المعايير الرياضية تُطبّق بعدالة كاملة على الجميع؟ أم أنها تُعاد صياغتها وفق السياق والظروف التي تدور من حولها؟

عندما تتحول القواعد من ثابتة إلى مرنة بشكل انتقائي، تفقد الرياضة أحد أهم أسسها: ألا وهي العدالة والثبات على المبدأ. ذلك المبدأ الذي لا تقوم بدونه أي منافسة رياضية حقيقية.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن التاريخ الرياضي نفسه؛ فقد شهد العالم حالات إقصاء واستبعاد ارتبطت بحروب أو أنظمة أو أزمات سياسية كبرى، مثل ما حدث مع جنوب أفريقيا في حقبة الفصل العنصري، أو مع يوغوسلافيا في ظل الحروب والانهيارات السياسية التي دارت داخل البلاد والأمثلة كثيرة.

لكن في المقابل، يظل التفاوت في تطبيق المواقف بين حالة وأخرى مصدرًا مشروعًا للتساؤل حول ثبات المعايير وحيادية القرارات.

المشكلة الجوهرية ليست في اتخاذ موقف ما، بل في غياب الاتساق والوضوح في تطبيقه. فحين تختلف المعايير، تتراجع الثقة تدريجيًا حتى لو استمرت البطولات وازدحمت الملاعب.

ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب إنكار أن كرة القدم لم تعد بمنأى عن التأثيرات السياسية، بل باتت تتقاطع معها بشكل يجعل الفصل التام بينهما أمرًا معقدًا، وربما غير واقعي.

وقد كشفت بعض البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2022 في قطر، هذا التحول بوضوح، حيث تجاوز الحدث إطاره الرياضي إلى فضاء أوسع من الجدل الإعلامي والسياسي، رغم النجاح التنظيمي اللافت الذي رافقه.

كما أعادت مشاركات لاحقة لمنتخبات مختلفة وما صاحبها من نقاشات حول أبعاد سياسية، فتح الأسئلة ذاتها حول حدود الفصل بين الرياضة والسياسة، ومدى استقلال القرار الرياضي عن التوترات الدولية السياسية.

حتى بعض التفاصيل التنظيمية التي يُفترض أن تُترك للحظ، مثل "قرعة المجموعات" باتت تُقرأ أحيانًا من زوايا الشك لدى الجمهور، خاصة عند تزامنها مع حساسيات سياسية بين بعض الدول رغم غياب أي دليل قاطع. لكن في عالم الرياضة، يكفي تراجع الثقة لخلق فجوة حقيقية بين اللعبة ذاتها وجمهورها.

إن الحقيقة الصعبة اليوم هي أن (FIFA) لم تعد بعيدة عن هذا التشابك، بل أصبحت جزءًا من مشهد دولي تتداخل فيه الرياضة مع السياسة بدرجات متفاوتة. وهذا توصيف لواقع قائم أكثر من كونه اتهامًا مباشرًا.

صحيح أنه من الصعب فصل السياسة عن كرة القدم بشكل كامل، لكن ما نشهده اليوم يتجاوز حدود التأثير الطبيعي، ليدخل في منطقة أوسع من التداخل الغير مريح، حيث تختلط الاعتبارات وتتقاطع المصالح.

ومع ذلك كله، يجب أن تبقى كرة القدم في جوهرها مساحة للروح الرياضية والتنافس الشريف، ومسؤولية الحفاظ على هذا المعنى تقع أولًا على المؤسسات المنظمة قبل أي طرف آخر.

وفي المحصلة، لم تعد اللعبة مجرد منافسة رياضية خالصة، بل أصبحت جزءًا من منظومة عالمية تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والرياضة، مّا يجعل الحفاظ على روحها الأولى تحديًا حقيقيًا في هذا العصر.

ما نطلبه ببساطة ليس عالمًا مثاليًا، بل وضوحًا في المعايير، وعدالة في التطبيق، وثقة تعيد التوازن بين اللعبة وجمهورها.

نريد كرة قدم للجميع فعلًا، أو على الأقل اعترافًا صريحًا بواقعها إن تغيّر. لأن الخسارة الحقيقية لا تبدأ عند ضياع بطولة أو مباراة، بل تبدأ حين يفقد الإنسان إحساسه بأن هذه اللعبة ما زالت تعنيه.

وعندها فقط، لا نخسر رياضة… بل نخسر معنى الفرح المشترك الذي وُجدت كرة القدم من أجلهِ.
~~~~~~~~~~~~~~~~~

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

lailaelhoni_68@yahoo.com, blaila89@hotmail.co.uk